عندي فيضل بذلك، فإذا سأل ربه فقد اعترف على نفسه بالعبودية، ولمولاه بالربوبية، وهذا مقام شريف، وشهود منيف لا يتفطن له إلا الموفقون، ولا يعرف قدر عظمته إلا العارفون.
الهداية: الدلالة بلطف، ولذلك تستعمل في الخير.
وأما قوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] فوارد على التهكّم.
وهداية الله تعالى تتنوع أنواعا لا يحصيها عدّ، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] ولكنها تحصر في أجناس مترتبة:
الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوة العقلية والحواس الباطنية والمشاعر الظاهرة.
الثاني: نصب الدلائل الغارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] أي طريقي الخير والشر.
الثالث: الهداية بإرسال الرسل، وإنزال الكتب. وإياها عنى بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73] ، وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] .
الرابع: أن يكشف لقلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة. وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، وقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] .
قوله: (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ) ، وذلك لأن الناس كلهم عبيد، لا ملك لهم في الحقيقة، وخزائن الرزق بيده تعالى، فمن لا يطعمه بفضله بقي جائعا بعدله، إذ ليس عليه إطعام أحد.
وأما قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] فالتزام منه تفضلا أنه واجب عليه.
ولا يمنع نسبة الإطعام إليه تعالى ما يشاهد من ترتب الأرزاق على أسبابها الظاهرة، كالحرف، والصنائع، وأنواع الاكتساب، لأنه تعالى المقدر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة، فالجاهل محجوب بالظاهر عن الباطن، والعارف الكامل لا يحجبه ظاهر عن باطن، ولا باطن عن ظاهر، بل يعطي كل مقام حقه، وكل مال وفقه.
قوله: (فَاسْتَطْعِمُوْنِيْ أُطْعِمْكُمْ) أي سلوني، واطلبوا مني الطعام، ولا يغرّنّ ذا الكثرة ما في يده، فإنه ليس بحوله وقوته، بل هو المتفضل عليه به، فينبغي له مع ذلك أن لا يغفل عن سؤال الله تعالى إدامة نعمته عليه، لئلا تنفر عنه فلا تعود إليه.
كما قال - صلى الله عليه وسلم: «مَا نَفَرَتِ النِّعْمَةُ عَنْ قَوْمٍ فَعَادَتْ إِلَيْهِمْ» .
وقوله: (أُطْعِمْكُمْ) أي أيسّر لكم أسباب تحصيله، لأن العالم جماده وحيوانه مطيع لله تعالى طاعة العبد لسيده، فيسخر السحاب لبعض الأماكن، ويحرك قلب فلان لإعطاء فلان، ويحوج فلانا لفلان بوجه من الوجوه لينال منه نفعا، فتصرفاته تعالى في هذا العالم عجيبة لمن تدبّرها: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] .
وفيه إشارة إلى تأدب الفقراء، وكأنه قال لهم: لا تطلبوا الطعمة من غيري، فإن من تطلبونها منهم أنا الذي أطعمهم، فاستطعموني أطعمكم، فالعاقل من توكل ربه، فإذا استغنى العبد بربه فكلما سأله أعطاه.
قال عروة بن الزبير - رضي الله عنه: إني لأدعو الله تعالى في صلاتي في حوائجي كلها حتى مِلْحَ عَجِيْني.
حكي عن الأصمعي أنه قال: بينما أنا أطوف بالكعبة، وإذا بأعرابي جاء حتى وقف على باب الكعبة وقال: يا رب، يا رب، يا رب، إني جائع كما ترى، وناقتي جائعة كما ترى، وابنتي عريانة كما ترى، وزوجتي محتاجة كما ترى، فما نرى فيما ترى يا من يرى ولا يُرى. قال: فمددت يدي إلى دنانير كانت معي، فقلت: يا سيدي، خذ هذه، فاستعن بها على فقرك. فرماه وقال: إن الذي سألناه أبسط منك يدا. قال: فما استتم كلامه إلا ومنادٍ ينادي: يا فلان، أدرك عمّك فقد مات، وخلف أربعمائة ناقة، وأربعمائة ثور، وأربعمائة مثقال ذهب، فامض إليه فخذها، فإنك وراثه.
وحكي عن بعضهم أنه أصابه جوع شديد، فتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فسمع هاتفا يقول له: تريد طعاما أو فضة، فقال: بل فضة، وإذا بصرّة بين يديه فيها أربعة آلاف درهم فضة.
ينبغي للداعي أن يترقب الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوْا لِنَفَحَاتِ اللهِ» .
ومن جملة ذلك الدعاء عند الآذان والإقامة، والثلث الأخير من الليل، وليلة الجمعة، ووقت السحر، وليلي العيدين، وليلة النصف من شعبان، وأول ليلة من رجب، وعند نظر البيت، وعند نزول المطر.
قوله: (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ) واسألوا الله من فضله، فما وعد بالمسألة إلا ليعطي.
وفي هذا جميعه تنبيه على افتقار سائر الخلق إليه، وعجزهم عن طلب منافعهم، ودفع مضارهم إلا أن ييسر لهم ما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.