فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 118

ومما نقل عن حِكَم عيسى - عليه الصلاة السلام: ابن آدم، أنت أسوأ بربك ظنا حيث كنت أكمل عقلا، لأنك تركت الحرص جنينا محمولا ورضيعا مكفولا، ثم أدرعته عاقلا قد أصبت رشدك، وبلغت أشدك.

قوله: (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) أي ما عدا الشرك وما لا يشاء مغفرته. قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116] .

قوله: (فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ) قال - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا وَتَسْتَغْفِرُوْا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ فَيَسْتَغْفِرُوْنَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .

في هذا من التوبيخ ما يستحيي منه كل مؤمن، لأنه إذا لمح الله تعالى خلق الليل ليطاع فيه سرا، ويسلم منه من الرياء، استحيا أنه ينفق أوقاته إلا في ذلك، وأن يصرف ذرة منها للمعصية، كما أنه يستحيي بالجبلة والطبع أن يصرف شيئا من النهار حيث يراه الناس للمعصية.

ولنذكر طرفا من صحيح الأخبار الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المختار في فضل الاستغفار:

1 -عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنِّيْ لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِيْنَ مَرَّةً» [حديث صحيح حسن أخرجه الترمذي، وابن السني] .

واستغفاره - صلى الله عليه وسلم - لا عن ذنب، بل طلبا لزيادة الترقي، لأن العبد كلما عدّ نفسه مقصرا، رفعه الله، إذ: «مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ» .

2 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيْئَةً نُكِتَتْ فِيْ قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صَقُلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيْدَ فِيْهَا حَتَّى تَعْلُوْ عَلَى قَلْبِهِ، وَهُوَ اَلْرَانُ اَلَّذِيْ ذَكَرَ اللهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:] » [حديث حسن صحيح أخرجه الحاكم] .

3 -ومنه أيضا - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِيْ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِيْ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْ لِيْ، قَالَ: عَلِمَ عَبْدِيْ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِيْ، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» [حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد وابن حبان]

ومعنى: «فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» أي فإنه ما دام يتوب ويستغفر، فإني أغفر له، فعلم أن نقض التوبة بالعود لا يمنع قبولها ثانيا، وهكذا، ولو بلا نهاية.

4 -وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اَللَّهُمَّ اجْعَلْنِيْ مِنَ الَّذِيْنَ إِذَا أَحْسَنُوْا اِسْتَبْشَرُوْا، وَإِذَا أَسَاءُوا اِسْتَغْفَرُوْا» [حديث حسن] .

والإساءة لا تتصور منه - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذا على سبيل الفرض، وقد يفرض غير الواقع، بل هو كثير، قصده - صلى الله عليه وسلم - إرشادنا للدعاء بذلك، لنعلم أن هذا الوصف حسن من هذا الحديث الحسن.

5 -وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» .

والمعنى: أنه يرزق من جهة لا يظن مجيء الرزق منها، ويشهد لذلك قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12] .

والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة، وفي هذا كفاية، وإياك - أيها الواقف على هذه الأحاديث - أن تتخذها ذريعة للزلات، وسببا لإكثار الخطيئات، فإن ذلك مدحضة موقعة في البليات، واخش من الرين، فهو من أعظم النكبات.

قوله: (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي) ، وذلك لأنه قد قام الإجماع والبرهان على أنه تعالى منزّه مقدّس غني بذاته لا يمكن أن يلحقه ضرر ولا نفع، تعالى الله عن ذلك.

قوله: (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا) فيه إشارة إلى أن ملكه تعالى في غاية الكمال، لا يزيد بطاعة جميع الخلق، ولا ينقص بمعصيتهم، لأنه تعالى الغني المطلق في ذاته وأفعاله وصفاته، فملكه كامل لا نقص فيه بوجه، بل لا يتصور أكمل منه، كما أشار إليه حجة الإسلام الغزالي بقوله:"ليس في الإمكان أبدع مما كان"أي أتم، فما جرى في الكون فهو على أتم نظام.

قوله: (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أي أرض واحدة، ومقام واحد (فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ) - بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الياء: الإبرة (إِذَا دَخَلَ الْبَحْرُ) أي وهو في رأي العين لا ينقص من البحر شيئا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت