ظاهره أنه جلس بين يديه، وهو كذلك، إذ لو جلس إلى جانبه، لما أمكنه إلا إسناد ركبة واحدة، وهو غير جلوس المتعلم بين يدي شيخه للتعلم، وإنما فعل ذلك جبريل عليه السلام للتبيه على ما ينبغي للسائل من قوة النفس وعدم الاستحياء عند السؤال، وإن كان المسؤول ممن يحترمه ويهابه، وعلى ما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عن السائل، وإن تعدى ما ينبغي من الاحترام للمسؤول والأدب معه.
قوله (ووضع كفيه على فخذيه) أي وضع الرجل كفيه على فخذيه صلى الله عليه وسلم، وفعل ذلك للاستئناس، باعتبار ما بينهما من الأنس في الأصل حين يأتيه بالوحي، وقد جاء مصرحا بهذا في رواية النسائي من حديث أبي هريرة، وأبي ذر، حيث قالا: حتى وضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله (وقال: يا محمد) ناداه باسمه كما تناديه الأعراب، مع أنه حرام، لأن حاله يدل على أنه ل يجئ متعلما، وإنما جاء معلما كما قدمناه، أو قبل العلم بتحريمه.
قال بعضهم: وبما تقرر علم أن نداء غيره ممن يستحق التوقير باسمه غير حرام، وإنما هو خلاف الأولى، إلا أن يتأذى به، فينبغي تحريمه.
قوله (أخبرني عن الإسلام) أي عن حقيقته. (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) مجيبا له (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله) أي تعلم أن لا إله إلا إله معبود بحق في الوجود إلا الله الواجب الوجوب (وأن محمدا رسول الله) أي وأن تشهد أن محمدا رسول الله، وتصدق بذلك.
قوله (وتقيم الصلاة) أي بأن تأتي بها بإركانها وشروطها، وتواظب عليها في أوقاتها. (وتؤتي الزكاة) أي تؤديها على وجهها الشرعي (وتصوم رمضان) سمي بذلك لاشتداد حر الرمضاء فيه حين وضع له هذا الاسم. ويستفاد من قوله (رمضان) بدون شهر أنه لا يكره ذكره بدون شهر، كما يأتي أيضا زيادة على ما هنا. قوله (وتحج البيت) أي تقصد بيت الله الحرام للنسك بأفعال مخصوصة (إن استطعت إليه سبيلا) والمراد بالاستطاعة هنا وجود الزاد والراحلة وغيرهما. وقيد الحج بالاستطاعة دون المذكورات قبله مع أنها مشروطة فيها أيضا لوجود عظم المشقة فيه دونها.
ظاهر الحديث أنه لا بد في حصول الإسلام من مجموع الشهادتين، حتى لو اقتصر على أحدهما لم يكفِ، وهو كذلك.
وقدم الكلام على الشهادتين لأن بهما حصول الإيمان الذي هو ملاك الأمر وأصله، إذ الباقي مبني عليه، مشروط به، وبه النجاة في الدارين، ثم الصلاة، لأنها عماد الدين، وبين العبد والكفر ترك الصلاة، ولشدة الحاجة إليها، ولتكررها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة، لأنها قرينة الصلاة في أكثر المواضع، ولوجوبها في مال المكلف وغيره عند أكثر العلماء، ثم صوم رمضان، لتكرره في كل سنة، وثرة أفراد فاعليه، بخلاف الحج، ثم الحج، للتغاليظ الورادة فيه، نحو قوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [] ، ونحو قوله صلى الله عليه وسلم: فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا، وسنذكر إن شاء الله تعالى في المجلس الآتي بعد هذا زيادات على ما هنا.
قوله (قال) يعني السائل للنبي صلى الله عليه وسلم (صدقت) أي فيما أجبت به. قال عمر رضي الله عنه: (فعجبنا منه، يسأله ويصدقه) أي لأن تصديقه يقتضي أن له علما بهذه الأشياء، وهو لا يعلم إلا من قِبَله صلى الله عليه وسلم، وليس هو بمعروف السماع منه، أو من حيث أن سؤاله مؤذن بعدم علمه بما سأل عنه، وتصديقه فيه مؤذن بأنه عالم به، فظاهر حاله أنه عالم به غير عالم به، ثم زال عجبهم بقوله بعد هذا: جبريل جاءكم يعلمكم دينكم، فظهر أنه كان عالما في صورة متعلم، تعليما لهم وتنبيها.
قوله (قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله) أي أن تؤمن بوجوده وصفاته التي لا تتم الألوهية إلا بها.
قال العلماء رضي الله تعالى عنهم: الإيمان بالله جل جلاله يتضمن معنيين؛ الأول: الإيمان بذاته، والثاني: الإيمان بوحدانيته. فأما الإيمان بذاته الكريمة فهو أن تعلم أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات، كما أن صفاته لا تشبه الصفات، وكل ما تصورته في ذهنك أو توهمته في وهمك فالله تعالى بخلافه، لأنك مخلوق، وكل ما تصورته أو توهمته فهو مخلوق مثلك، لأن الله جل جلاله تقدس وتَنَزَّه عن أن يحل في مخلوق أو يحل فيه مخلوق وأنت جسم وجوهر وعرض، والله تعالى بخلاف ذلك، ولك جنس ونوع والله تعالى لا جس ولا نوع له.
قال أبو إسحاق الإسفرايني: جمع أهل الحق جميع ما قيل التوحيد في كلمتين؛
إحداهما: أن كل ما تصور في الأفهام فالله تعالى بخلافه.
الثانية: اعتقاد أن ذاته ليست مشبهة بذات ولا معطلة عن الصفات. وقد أكد ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {ولم يكن له كفوا أحد} [] . وهذا في غاية الجودة والإيجاز.
ويرحم الله القائل:
كل ما ترتقي إليه بوهم ÷ من جلال وقدرة وثناء
فالذي أبدع البرية أعلى ÷ منه سبحان مبدع الأشياء