وقد سهّل الله تعالى الأمر أيضا ويسّره على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كرامة له، ولم يشدد عليهم كما شدد على من قبلهم من اليهود.
قال البغوي: وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم من الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه، ونحوها من الأثقال والأغلال.
روى سعيد بن جبير في قوله تعالى: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} [البقرة: 285] قال الله تعالى: «قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» . وفي قوله: {لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: «لَا أُؤَاخِذُكُمْ» ، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} قال: «لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ ذَنْبًا» ، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: «لَا أُحَمِّلُكُمْ» ، {وَاعْفُ عَنَّا ... إلى آخر الآية} قال: «قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَغَفَرْتُ لَكُمْ، وَرَحِمْتُكُمْ، وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» .
الأولى: لما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى به إلى سدرة المنتهى، ثم إلى حيث شاء العلي الأعلى، وأعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات كباشر الذنوب.
الفائدة الثانية: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «اَلآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُوْرَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِيْ لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» .
الفائدة الثالثة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سَوْرَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَا يُقْرَآنِ فِيْ دَارٍ فَيَقْرَبُهَا شَيْطَانٌ» . وهذا كله لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكم أكرم الله تعالى أمته بكرامات لأجله عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولنختم هذا المجلس اللطيف بنكتة تشتمل على شيء من فضل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
قال وهب بن منبه: لما قرأ موسى - عليه السلام - الألواح وجد فيها فضيلة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رب، ما هذه الأمة المرحومة التي أجدها في الألواح؟ قال: هم أمة محمد، يرضون مني باليسير أعطيهم إياه، وأرضى منهم باليسير من العمل، أدخل أحدهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله، قال: فإني أجد في الألواح أمة يحشرون يوم القيامة على صورة القمر ليلة البدر، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد أحشرهم يوم القيامة غرًّا محجلين، قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة أرديتهم على ظهورهم، وسيوفهم على عواتقهم، أصحاب رؤوس الصوامع، يطلبون الجهاد بكل أفق حتى يقاتلون الدجال، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، أجد في الألواح أمة يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات في خمسة أوقات، تفتح لهم أبواب السماء، وتنزل عليهم الرحمة، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح قوما تجعل لهم الأرض مسجدا وطهورا، وتحل لهم الغنائم، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يصومون لك شهر رمضان فتغفر لهم ما كان قبل ذلك، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يحجون لك البيت الحرام لا يقضون منه وطرا، يعجون لك بالبكاء عجيجا، ويضجون لك بالتلبية ضجيجا، فاجعلهم أمتي، قال: أمة محمد. قال: فما تعطيهم على ذلك؟ قال: أعطيهم المغفرة، وأشفعهم فيمن وراءهم. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة سفهاء، قليلة أحلامهم، يعلفون البهائم، ويستغفرون من الذنوب، يرفع أحدهم اللقمة إلى فيه، فلا تستقر في جوفه حتى يغفر له، يفتتحها باسمك، ويختتمها بحمدك، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، فإني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتب له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بالسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يحشرون يوم القيامة على ثلاث ثلل: ثلة يدخلون الجنة بغير حساب، وثلة يحاسبون حسابا يسيرا، وثلة يمحصون، ثم يدخلون الجنة، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد. قال موسى: يا رب، بسطت هذا الخير لأحمد وأمته، فاجعلني من أمته، قال الله تعالى لموسى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
فلله الحمد والمنة على نعم أولاها، ونسأله الموت على الإسلام في عافية بكل خير، آمين يا رب العالمين.