فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 118

فلا - والله - ما في العيش خير ÷ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

وقال بعضهم: معناه الوعيد، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] أي اصنع ما شئت، فإن الله مجازيك.

وقال بعضهم: انظر ما تريد أن تفعل، فإن كان ذلك مما لا يستحيا منه، فافعل منه ما شئت، فإن ذلك الفعل يكون جاريا على نهج السداد، وإن كان مما يستحيا منه، فَدَعْهُ.

ومعنى الحديث: إن عدم الحياء يوجب الانهماك في هتك الأستار.

وفيه معنى التحذير والوعيد على قلة الحياء.

وفيه أن الحساء من أشرف الخصال، وأكمل الأحوال.

ولذا، قال - صلى الله عليه وسلم: «اَلْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ، اَلْحَيَاءُ لَا يَأْتِيْ إِلَّا بِخَيْرٍ» .

وثبت أن: «الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيْمَانِ» .

وقد كان - صلى الله عليه وسلم - أشد حياءً من البكر في خدرها.

وفي حديث: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ هَلَاكًا نُزِعَ مِنْهُ الْحَيَاءُ، فَإِذَا نُزِعَ مِنْهُ الْحَيَاءُ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا بَغِيْضًا مُبْغَضًا، فَإِذَا كَانَ بَغِيْضًا مُبْغَضًا نُزِعَ مِنْهُ الْأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَ مِنْهُ الْأَمَانَةُ فَلَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مَخُوْنًا، فَإِذَا كَانَ خَائِنًا مَخُوْنًا نُزِعَ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَلَمْ تَلْقَهُ إِلَّا فَظًّا غَلِيْظًا، فَإِذَا كَانَ فَظًّا غَلِيْظًا نُزِعَ مِنْهُ رَبْقَةُ الْإِيْمَانِ مِنْ عُنُقِهِ، فَإِذَا نُزِعَ مِنْهُ رَبْقَةُ الْإِيْمَانِ مِنْ عُنُقِهِ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا شَيْطَانًا لَعِيْنًا مَلْعُوْنًا» (1) .

وينيغي أن يراعى في الحياء القانون الشرعي، فإن منه ما يذم شرعا، كالحياء المانع من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع وجود شروطه، وهذا في الحقيقة جبنٌ لا حياء، وتسميته حياء مجاز، لمشابهتها له.

ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات الدين إذا أشكلت عليه، ولذا قالت عائشة - رضي الله عنها: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَسْأَلْنَ عَنْ أَمْرِ دِيْنِهِنَّ.

وفي حديث: «إِنَّ دِيْنَنَا هَذَا لَا يَصْلُحُ لِمُسْتَحْيٍ» أي حياء مذموما، «وَلَا لِمُتَكَبِّرٍ» .

وجاء في الصحيحين، عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِيْ مِنَ الْحَقِّ، هَلِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ اِحْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» ، فَلَمْ تَسْتَحِ مِنَ السُّؤْالِ عَنْ دِيْنِهَا.

وجاء: «شَرُّ النِّسَاءِ اَلْوَذِرَةُ اَلْمَذِرَةُ» (2) اي التي لا تستحي عند الجماع.

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لمن رآه يعاتب أخاه في الحياء: «دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيْمَانِ» أي من أسباب أصل الإيمان وأخلاقه، لمنعه من الفواحش، وحمله على البر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه من ذلك.

وأولى الحياء: من الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.

وكمال الحياء: ينشأ عن معرفته تعالى ومراقبته.

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «اِسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» ، قَالُوا: إِنَّ نَسْتَحْيِيْ يَا نَبِيَّ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، قَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنْ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» .

واعلم أن أهل الحياء يتفاوتون بحسب تفاوت أحوالهم، وقد جمع الله تبارك وتعالى لنبيّه محمد - صلى الله عليه وسلم - كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء الغريزي أشد من العذراء في خدرها، وفي الكسبي واصلا إلى أعلى غاية.

قوله: (إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) يتضمن الأحكام الخمسة، لأن فعل الإنسان إما أن يستحيا منه أو لا، فالأول: الحرام والمكروه، والثاني: الواجب، والمندوب، والمباح. ولذا قيل: إن على هذا الحديث مدار الإسلام، لما ذكرناه.

يحرم كشف العورة بحضرة الناس، وأما بغير حضرة الناس فقد قال الإمام النووي - رحمه الله - في شرح مسلم: يجوز كشف العورة في محل قضاء الحاجة في الخلوة، كحالة الاغتسال، والبول، ومعاشرة الزوجة، وأما دخول الحمام فأيضا يطلب له الحياء فقد قال العلماء - رضي الله عنهم - يباح للرجال دخول الحمام.

ويجب عليهم: غض البصر عما لا يحلّ لهم، وصون عورتهم عن الكشف بحضرة من لا يحل له النظر إليها.

وقد روي أن الرجل إذا دخل الحمام عاريا لعنه مَلَكَاهُ. رواه القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: {كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 11 - 12] .

وروى الحاكم عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ دُخُولُ الْحَمَّامِ إِلَّا بِمِئْزَرٍ» .

وأما النساء فيكره لهن بلا عذر، لخبر: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِيْ غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى» [رواه الترمذي وحسنه] .

ولأن أمرهن مبني على المبالغة في الستر، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر.

فعليكم - يا إخواني - بالحياء، والزموا الأدب تبلغوا الأرب، ولنختم مجلسنا هذا بشيء يتعلق يالأدب.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] ، قال علي - رضي الله عنه - أي أدّبوهم وعلّموهم.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ» [رواه ابن ماجه] .

(1) وفي سنن ابن ماجه [4054] : «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ، فَإِذَا نُزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءُ، لَمْ تُلْفِهِ إِلَّا مَقِيتًا مُمَقَّتًا، فَإِذَا لَمْ تُلفِه إِلَّا مَقِيتًا مُمَقَّتًا، نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ، لَمْ تُلفِه إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا، فَإِذَا لَمْ تُلفِه إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا، نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، لَمْ تُلفِه إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا، فَإِذَا لَمْ تُلفِه إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا، نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الْإِسْلَامِ» . قال محققه (شعيب الأرناؤوط وأصدقاؤه) :"إسناده ضعيف جدًا". وحكم الشيخ ناصر الدين الألباني على هذا الحديث بما هو أشد من حكم الشيخ الأرناؤوط، حيث حكم بأنه موضوع. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة [3044] ، وانظر أيضا: ضعيف الجامع الصغير وزيادته [1543] ، و صحيح وضعيف سنن ابن ماجه [4054] ، و ضعيف الترغيب والترهيب [1589] .

(2) إنما ورد هذا في كتاب"النهاية في غريب الحديث"، ولا أصل له، وهو من أقوال العرب:"خَيْرُ النساءِ الخَفِرَةُ العَطِرَةُ المَطِرَة وشَرُّهُنَّ المَذِرَة الوَذِرَة القَذِرَة". والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت