فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 118

فقد جاء في الأحاديث الصحيحة المروية عن ابن مسعود، وابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن النظفة إذا استقرت في الرحم، أخذها الملك بكفه فقال: أي ربّ، ذكر أو أنثى؟، شقي أو سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض يموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد قصة هذه النظفة، فينطلق، فيجد قصتها في أم الكتاب، فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها قبضت، فدفنت في المكان الذي قدر لها.

وفي رواية من حديث ابن مسعود: أن الملك يقول: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة، قذفها في الأرحام دما، وإن قال: مخلقة: قال: أي رب، ذكر أم أنثى .. إلى آخر ما تقدم.

وجاء مرفوعا: إذا مات الجسد دفن من حيث أخذ ذلك التراب.

وقال صلى الله عليه وسلم: إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض، جعل له إليها حاجة، أو قال: بها حاجة.

وقيل في معناه:

إذا ما حمام المرء كان ببلدة ÷ دعته إليها حاجة فيطير

وروى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ع أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف، فتعرض نواحي المدينة، فإذا قبر يحفر، فأقبل حتى وقف عليه فقال: لمن هذا؟ قيل: لرجل من الحبشة، فقال: لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه حتى دفن في الأرض التي خلق منها.

يقال: إن ملك الموت عليه السلام دخل يوما على سليمان بن داود عليهما السلام، فجعل يطيل نظره، ويحد بصره إلى رجل من ندمائه، ثم خرج، فقال ذلك النديم: يا نبي الله، من كان ذلك الرجل؟ قال: إنه ملك الموت، فقال: يا نبي الله، رأيته يطيل النظر إليّ، وأخاف أنه يريد قبض روحي، فخلصني من يده، فقال: وكيف أخلصك؟ فقال: تأمر الريح أن تحملني إلى بلاد الهند، فلعله يضل عني و يجدني، فأمر سليمان عليه السلام الريح أن تحمله في الساعة إلى أقصى بلاد الهند، فحملته في الوقت والحال، فقبض روحه وعاد ملك الموت، ودخل على سليمان عليه السلام، فقال له سليمان: لأي سبب كنت تطيل النظر إلى ذلك الرجل؟ قال: كنت أتعجب منه، لأني أمرت بقبض روحه بأرض الهند، وهو بعيد عنها، إلى أن اتفق وحملته الريح إلى هناك كما قدر الله تعالى، فقبضت روحه هناك.

يا هذا، انظر إلى قدرة مولاك، كيف أنشأك وسواك، وفي التوراة مكتوب: يا ابن آدم، جعلت لك قرارا في بطن أمك، وغشيت وجهك بغشاء، لئلا تفزع من الرحم، وجعلت وجهك إلى ظهر أمك لئلا يؤذيك رائحة الطعام، وجعلت لك متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فالكبد، وأما الذي عن شمالك فالطحال، وعلمتك القيام والقعود في بطن أمك، فهل يقدر على ذلك أحد غيري، فلما أن تمت مدة حملك، أوحيت إلى الملك الموكل بالأرحام أن يخرجك، فأخرجك على ريشة من جناحه لا لك سن يقطع، ولا يد تبطش، ولا قدم تسعى بها، وأنبعت لك عرقين رقيقين في صدر أمك يجريان لبنا خالصا؛ حارا في الشتاء، باردا في الصيف، وألقيت محبتك في قلب أبويك، فلا يشبعان حتى تشبع، ولا يرقدان حتى ترقد، فلما قوي ظهرك، واشتد أزرك، بارزتني بالمعاصي؟! واعتمدت على المخلوقين ولم تعتمد عليّ؟! وتسترت ممن يراك، وبارزتني بالمعاصي في خلواتك، ولم تستحِ مني؟! ومع هذا، إن دعوتني أجبتك، وإن سألتني أعطيتك، وإن تبت إلي قبلتك.

قوله (فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي بامتثال الأوامر واجتناب النواهي (حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ) هذا تمثيل لشدة القرب منها، (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) أي حكمه الذي كتب له في بطن أمه أو اللوح المحفوظ، مستندا إلى سابق علمه القديم فيه، (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) أي من المعاصي، (فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا) بحكم القدر الجاري عليه، فن سبقت له السعادة صرف الله قلبه إلى الخير بحكم الكتاب له به، ومن سبقت له الشقاوة - والعياذ بالله تعالى - كان بعكسه.

وفي بعض روايات هذا الحديث: وإنما الأعمال بالخواتيم.

وفي الحديث: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له.

أما من كان من أهل السعادة، فميسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فميسر لعمل أهل الشقاوة، فقلوب الخلق بيد الله، يصرفها كيف يشاء، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: قلوب الخلق بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، يقلبها كيف يشاء. فالموفق من بدئ عمله بالسعادة، وختم له بها، والمخذول عكسه، وكذا من بدئ عمله بالخير، وختم له بالشر - والعياذ بالله تعالى - لا عكسه.

من لطف الله تعالى أن انقلاب الناس من الخير إلى الشر نادر، والكثير عكسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت