فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 118

قال بعض الشراح: إنما كان من لا يتزوج أو يتسرى مع القدرة عليه من شرار الأمة في الأحياء وأراذلها في الأموات لمخالفته ما أمر الله به ورسوله وحث عليه.

وسمي من شرار الخلق لعدم غض بصره وتحصين فرجه، ولعدم ستر شطر دينه للأخبار الواردة في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ سَتَرَ شَطْرَ دِيْنِهِ فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي الشَّطْرِ الْآخَرِ» .

وأيضا فإن مثل هذا لا يؤمن غالبا على النساء، ولا على المجاورة في السكنى وغيره، فربما تسلط الشيطان فيقع الفساد.

وفي الحديث: دخل رجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - يقال له عكاف، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «يَا عَكَافُ، أَلَكَ زَوْجَةٌ؟» قَالَ: وَلَا جَارِيَةٌ. قَالَ: «وَأَنْتَ بِخَيْرٍ مُوْسِرٍ؟» قَالَ: وَأَنَا بِخَيْرٍ مُوْسِرٍ. قَالَ: «أَنْتَ مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِيْنِ، لَوْ كُنْتَ مِنَ النَّصَارَى كُنْتَ مِنْ رُهْبَانِهِمْ، إِنَّ مِنْ سُنَّتِيْ اَلنِّكَاحُ، شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ أَرَاذِلُ أَمْوَاتِكُمْ عُزَّابُكُمْ» [رواه الإمام أحمد في مسنده] .

وقال - صلى الله عليه وسلم: «مِسْكِيْنٌ، مِسْكِيْنٌ، مِسْكِيْنٌ، رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ اِمْرَأَةٌ» فَقِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا مِنَ الْمَالِ» ، وَقَالَ: «مِسْكِيْنَةٌ، مِسْكِيْنَةٌ، مِسْكِيْنَةٌ، اِمْرَأَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ» ، قَيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ» .

ولنرجع إلى الكلام على بقية الحديث فنقول: لما قال لهم - صلى الله عليه وسلم: (وَفِيْ بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) استبعدوا حصولها بفعل مستلذّ، نظرا إلى أنها إنما تحصل غالبا في عبادة شاقة على النفس مخالفة لهواها.

(قَالُوْا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني عما (لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟) أي: إثم (فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) وظاهر إطلاقه أن الإنسان يؤجر في نكاح زوجته مطلقا، وبه قال بعضهم.

وفيه دليل لجواز القياس.

وفيه أنه ينبغي قرن النية الصالحة بالمباح، لتقلبه طاعة.

وظاهر سياقه أن الغني الشاكر، وهو من لا يبقى مما يدخل عليه من ماله إلا ما يحتاج إليه حالا أو ما يريده لأحوج منه أفضل من الفقير الصابر.

وفيه خلاف بين العلماء.

قيل: وهذا أصح، وقاعدة أن العمل المتعدي أفضل من القاصر غالبا تشهد له.

ورجح الغزالي أن الفقير الصابر أفضل.

وقيل: إن الذي أعطي الكفاف أفضل.

وقال الغزالي في موضع آخر: رب غني شاكر أفضل من فقير صابر، وهو الغني الذي نفسه كنفس الفقير، ولا يصرف لنفسه من المال إلا قدر الضرورة، ويصرف الباقي في وجوه الخير أو يمسكه معتقدا أن يمسكه خازنا للمحتاجين.

ورد ما يقتضي تفضيل الذكر على الصدقة بالمال،

1 -كحديث أحمد والترمذي: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيْكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِيْ دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا أَعْدَاءَكُمْ فَتَضْرِبُوْا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوْا أَعْنَاقَكُمْ» ، قَالُوْا: بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» .

2 -وحديث أحمد والترمذي: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «اَلذَاكِرُوْنَ اللهَ كَثِيْرًا» قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَمِنَ الْغَازِيْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ؟ قَالَ: «لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِيْنَ حَتَّى يَنْكَسِرَ، وَيَحْتَضِبَ دَمًا لَكَانَ الذَاكِرُوْنَ اللهَ أَفْضَلَ» .

3 -وحديثه أيضا: «مَنْ كَبَّرَ مِائَةً، وَسَبَّحَ مِائَةً، وَهَلَّلَ مِائَةً كَانَتْ لَهُ خَيْرًا مِنْ عَشْرِ رِقَابٍ يُعْتِقُهَا، وَمِنْ سَبْعِ بَدَنَاتٍ يَنْحَرُهَا» .

وأخذ بقضية هذه الأحاديث جماعة من الصحابة والتابعين فقالوا: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدد من المال، ويدل له أيضا:

4 -حديث أحمد والنسائي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأم هانئ: «سَبِّحِيْ اللهَ مِائَةَ تَسْبِيْحَةٍ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ مِائَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَاحْمَدِيْ اللهَ مِائَةَ تَحْمِيْدَةٍ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ مِائَةَ فَرَسٍ مُلْجَمَةٍ مُسْرَجَةٍ تَحْمِلِيْنَ عَلَيْهَا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَكَبِّرِي اللهَ مِائَةَ تَكْبِيْرَةٍ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ مِائَةَ بَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ، وَهَلِّلِيْ اللهَ مِائَةَ تَهْلِيْلَةٍ - وَلَا أَحْسِبُهُ إِلَّا قَالَ - تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا يُرْفَعُ يَوْمَئِذٍ لِأَحَدٍ مِثْلُ عَمَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتَ» .

والأحاديث في فضل الذكر كثيرة، اللهم وفّقنا لذكرك أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت