فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 118

اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم. فقوله - صلى الله عليه وسلم: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) بكسر أوّله من: ضرّه، وضارّه، بمعنى. وهو خلاف النفع، كذا قاله الجوهري، فالجمع بينهما للتأكيد. والمشهور أن بينهما فرقا،

قيل: الأول: إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، والثاني: إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة، أي كل منهما يقصد ضرر صاحبه من غير جهة الاعتداء بالمثل، والانتصار بالحق.

وقال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية: الاسم، والضرار: الفعل، فمعنى الأول: لا تدخل على أخيك ضررا لم يدخله على نفسه، ومعنى الثاني: لا يضار أحد بأحد.

وقيل: الضرر أن يدخل على غيره ضرر بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل على غيره بما لا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع.

ورجح هذا طائفة، منهم: ابن عبد البر، وابن الصلاح.

وقيل: الأول ما لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه مضرة، والثاني: ما لا منفعة فيه لك وعلى جارك فيه مضرة، وهو مجرد تحكم بلا دليل، وإن قال غير واحد: أن هذا وجه حسن المعنى في الحديث.

وفي رواية: وَلَا إِضْرَارَ، مِن: أضرّ به إضرارا، إذا ألحق به ضررا.

قال ابن الصلاح: هي على ألسنة كثير من الفقهاء والمحدثين، ولا صحة لها. ولذا أنكرها آخرون.

وخبر (لا) محذوف، أي في ديننا، أو في شريعتنا.

وظاهر الحديث: تحريم سائر أنواع الضرر، إلا لدليل، لأن النكرة في سياق النفي تعمّ.

1 -وفي الحديث: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيْفِيَّةِ السَّمْحَةِ اَلسَّهْلَةِ» .

2 -وقد صح: «حَرَّمَ اللهُ مِنَ الْمُؤْمِنِ: دَمَهُ، وَعِرْضَهُ» .

3 -وأن لا يظن به إلا خيرا.

4 -وصح أيضا: «أَنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» .

في ذكر ما ورد في شدة عذاب من يؤذي المؤمنين.

5 -روى مجاهد بسنده قال: إن لجهنم ساحلا كساحل البحر، فيه هوامّ وحيّات كالبخت وعقارب كالبغال، فإذا استغاث أهل النار قالوا: الساحل، فإذا ألقوا فيه سلطت عليهم تلك الهوامّ، فتأخذ أشفار أعينهم، وشفاهم، وما شاء الله منهم، تكشطها كشطا، فيقولون: النار، النار، فإذا ألقوا فيها، سلط عليهم الجرب، فيحكّ أحدهم جسده حتى يبدو عظمه، وإن جلد أحدهم لأربعون ذراعا. قال: يقال: يا فلان، هل تجد هذا يؤذيك؟ فيقول: وأي أذى أشد من هذا؟ قال: يقال: هذا بما كنتم تؤذي المؤمنين.

اللهم سلمنا من هذه الأهوال، فإياك يا أخي أن تؤذي أحدا، أو تضرّه.

6 -فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - المختار: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أي في ديننا، أو شريعتنا، كما قدمنا.

وهاتان الكلمتان تقتضيان رعاية المصالح إثباتا، والمفاسد نفيا، إذ الضرر هو المفسدة، فإذا انتفت لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة، فانظر يا أخي وتأمل هذا الحديث الحسن.

فعن أبي داود - رحمه الله - أنه قال: الفقه يدور على خمسة أحاديث، وعدّ هذا الحديث من الخمسة.

قال النووي - رحمه الله: وله طرق يعضد بعضها بعضا.

وقد ورد في الكتاب العزيز، والحديث الصحيح ما هو بمعناه، فاعتضد به، كقوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111] .

وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأخذه من غير وجهه. ومن أضرّ بأخيه فقد ظلمه.

7 -وقوله - صلى الله عليه وسلم: «حَرَّمَ اللهُ مِنَ الْمُؤْمِنِ دَمَهُ، وَمَالَهُ، وَعِرْضَهُ، وَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا» .

8 -وقوله: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» كما تقدم.

ولنذكر جملة من أنواع الظلم والضرر ليكون الشخص منها على حذر.

-من ذلك: المكس، وأكل مال اليتيم، والمماطلة بحق عليه مع قدرته على وفائه.

-ومن ذلك: أن يظلم المرأة في نحو صداق، أو نفقة، أو كسوة.

9 -وعن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة، فينادى به على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة أن يكون لها حق على أبيها، أو أخيها، أو زوجها، ثم قرأ: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] ، فيغفر الله تعالى من حقه يومئذ ما شاء، ولا يغفر من حقوق الخلق شيئا، فينصب العبد للناس، ثم يقول الله تعالى لأصحاب الحقوق: ائتوا إلى حقوقكم، قال: فيقول العبد: يا رب، فنيت الدنيا، فمن أين أوفيهم حقوقهم؟ فيقول الله لملائكته: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان وليا لله، وفضل له مثقال ذرة ضاعفه الله تعالى له حتى يدخله الجنة بها، وإن كان عبدا شقيا، ولم يفضل له شيء، فتقول الملائكة: ربنا، فنيت حسناته، وبقي طالبوه، فيقول الله تعالى: خذوا من سيئاتهم، فأضيفوا إلى سيئاته، ثم صكوا له صكًا إلى النار.

(1) ب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت