قال مجاهد - رحمه الله: رأيت الكعبة في النوم تخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقول: يا محمد، لئن لم تنته أمتك عن المعاصي لانتقضن حتى لا يبقى حجر.
ومعنى التقوى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
وقال بعضهم: إن أردت أن تعصيه فاعصه حيث لا يراك، أو اخرج من داره، أو كل من غير رزقه.
قال العلماء - رضي الله عنهم: فإذا اتقى الشخص الله تعالى، وفعل ما أمر له، وترك ما نهى عنه، فقد أتى بجميع وظائف التكليف.
قال الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية} [البقرة: 177] .
وقال الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63] .
فمن اتقى الله بما في الآية الأولى من الإيمان والإسلام، فهو متقٍ، والمتقي ولي الله، ومن اتقى بما في الآية الثانية فهو ولي الله.
ولتقوى الله فوائد كثيرة،
-منها: الحفظ والحراسة من الأعداء، لقوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] .
-ومنها: التأييد والنصر، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .
-ومنها: النجاة من الشدائد والرزق الحلال، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] .
-ومنها: إصلاح العمل، وغفران الذنوب، لقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الأحزاب: 70 - 71] .
-ومنها: النور، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28] .
-ومنها: المحبة، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [] .
-ومنها: الإكرام، لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .
-ومنها: البشارة عند الموت، لقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 63 - 64] .
-ومنها: النجاة من النار، لقوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72] .
-ومنها: الخلود في الجنة، لقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] .
ويرحم الله القائل:
من عرف الله فلم تغنه ÷ معرفة الله فذاك الشقي
ما يصنع العبد بعز الغنى ÷ والعز كل العز للمتقي.
وقال الآخر:
يريد المرء أن يعطي مناه ÷ ويأبى الله إلا ما أراده
يقول المرء فائدتي ومالي ÷ وتقوى الله أفضل ما استفاده
ركب قوم سفينة، فظهر لهم شخص على وجه الماء، وقال لهم: معي كلمة أبيعها بألف دينار، فقال أحدهم: هذه ألف دينار، فقال: اطرحها في البحر، فطرحها، فقال: قل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ... الآية} [الطلاق: 2 - 3] ، فقال له: احفظها حفظا جيدا، فلما حفظها، تكسر المركب، وبقي الرجل على لوح يقرأ هذه الآية، فرماه الموج في جزيرة، فوجد فيها امرأة جميلة، فسألها عن أمرها، فقالت: أنا من بلد كذا وكذا، وكل يوم يطلع من البحر جني في وقت كذا، فيراودني عن نفسي، فيحفظني الله منه، فقال: اجعلني في مكان أراه ولا يراني، ففعلت، فلما طلع الجني من البحر ورآه قرأ الآية، فلتهب نارا، ففرحت المرأة بذلك، ثم أخذت بيد الرجل إلى كهف فيه من الجواهر واللؤلؤ شيء كثير، فمرت بها سفينة، فأشار إليها، فقصدهما أهلها، وأخذ كل واحد من الجوهر واللؤلؤ ما لا يعلمه إلا الله.
قوله (وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا) المراد بالحسنة الصلوات الخمس. قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] نزلت في رجل قبّل امرأة أجنبية.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» (1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» ... «كَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» أخرجه الأئمة (2) .
وفي الترمذي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوضأ، ثم قال: «وَمَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَهُ يَتَمَرَّغُ، ثُمَّ إِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ» (3) .
وعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدا، فأقمه عليّ، فسكت عنه - صلى الله عليه وسلم - ثم عاد فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا، فأقمه عليّ، فسكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) رواه مسلم [233] .
(2) انظر صحيح البخاري [528] ، وصحيح مسلم [667] .
(3) وفي مسند عثمان بن عفان عند أحمد: «وَمَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلاةَ الظُّهْرِ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يَبِيتَ يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَهُ، ثُمَّ إِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ، وَهُنَّ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» [513] .