فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 118

الخصال المحمود مثل الصدق والإخلاص والصبر والخوف، ويتفكر في زوال الدنيا وفنائها فيتركها لأهلها، وفي بقاء الآخرة ودوامها، فيطلبها ويعمرها، كما قال بعض العارفين لإخوانه: زوروا الآخرة بقلوبكم كل يوم، وشاهدوا المواقف بأذهانكم، وتوسدوا القبور بأفكاركم، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة.

وقد قيل:

ألا أيها الناسي ليوم وحيله ÷ أراك عن الموت المفرق لاهيا

ولا ترعوي بالظاعنين إلى البلى ÷ وقد تركوا الدنيا جميعا كما هيا

ولم يخرجوا إلا بقطن وخرقة ÷ وما عمروا من مستزل ظل خاليا

وهم في بطون الأرض صرعى جفاهم ÷ صديق وخل كان قبل موافيا

وأنت غدا أو بعده في جوارهم ÷ وحيدا فريدا في المقابر ثاويا

جفاك الذي قد كنت ترجو وداده ÷ ولم تر إنسانا لعهدك وافيا

وكن مستعدا للحمام فإنه ÷ قريب ودع عنك المنى والأمانيا

وأما التفكر في المعبود فقد منع الشرع منه كما قدمناه.

اضطجع كسرى ليلة على فراشه فنظر إلى الفلك فتفكر في هيئته واستدارته، فقال: أيها الفلك، إن بناء أنت سقفه لعظيم، وإن بيتا أنت غطاؤه لنظيم، وإن شيئا أنت تظله لكبير، وإن فيك لعجبا للمتعجبين، فليت شعري أعلى عمد من تحتك تتمسك أو بمعاليق من فوقك تتعلق، ولعمري إن ملكا أمسكتك قدرته مالك قدير، وإنه في استدارتك بتقديره لحكيم خبير، وإن جهل من غفل عن التفكر في هذه العظمة لغير صغير، وليت شعري كم أفنت هذه النجوم من القرون، وكم سحبت قبلنا أمما في سالف العصور، وليت شعري بم طلوعك حين تطلعين، وبم مسيرك حين تسيرين، وأفولك حين تأفلين، وعلام سقوطك حين تغيبين، ليت شعري أساكنة أنت أم تتحركين، أم كيف صفتك التي بها تتصفين، ولونك الذي به تتوسمين، ومن سماك بأسمائك التي بها تعرفين، فسبحان من لأمره تنقادين، وبمشيئته تجرين، وبصنعته استقامتك حين تستقيمين، ورجوعك حين ترجعين، واستئثارك حين تستترين، وبروزك حين تبرزين.

فيا إخواني، ارجعوا بنا إلى مولانا فإنه يعلم سرنا ونجوانا، وقولوا: يا الله، يا الله، يا الله، اغفر لنا ولأهل مجلسنا أجمعين، آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين.

المجلس الحادي والثلاثون: في الحديث الحادي والثلاثين

الحمد لله الذي أنعم على أوليائه بالمحبة، وزهدهم في الدنيا فلم يرغبوا في مثقال حبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من عرف ربه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل من نصح الخلق ونبه، وصلى الله عليه، وعلى آله، ومن اختصهم بالصحبة.

عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ.

اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام.

قوله: (اِزْهَدْ) الزهد لغة الإعراض عن الشيء احتقارا له. وشرعا: أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقن الحل، فهو أخص من الورع، إذ هو ترك المشتبه، وهذا هو زهد العارفين، وهو المراد هنا.

وأعلى منه زهد المقربين، وهو الزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغيرهما، إذ ليس لصاحب هذا الزهد مقصد إلا الوصول إلى الله تعالى والقرب منه، ويجب الزهد في الحرام، ويندب في المشتبه.

قوله: (فِي الدُّنْيَا) أي باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها، لتصغير الله تعالى لها، وتحقيره إياها، وتحذيره من غرورها.

وقد فسر العلماء الدنيا بأنها: ما حواه الليل والنهار وأظلته السماء، وأقلته الأرض.

واختلفوا في المزهود فيه منها،

فقيل: الدينار والدرهم.

وقيل: المطعم والمشرب والملبس والمسكن.

والأظهر: أنه كل لذة وشهوة ملائمة للنفس، حتى الكلام بين مستمعين له ما لم يقصد به وجه الله تعالى.

وكان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، لأنه في القلب.

وقال الفضيل: أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل.

ومن كلام علي - رضي الله عنه: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب.

وقيل: الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الذهب والفضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت