فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 118

وقد اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه الإسلام اعتقادا جازما خاليا من الشك، ونطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

وحكي عن عبد الواحد بن زيد قال: مررت في بعض الجبال بشيخ أعمى أصم مقطوع اليدين والرجلين ضربه الفالج يصرع في كل وقت، والزنابير تنهش من لحمه، والدود يتناثر من جبينيه، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به كثير من خلقه. قال: فتقدمت إليه، وقلت له: يا أخي، وأي شيء عافاك الله منه؟ والله، ما أجد جميع البلايا إلا محيطة بك، قال: فرفع طرفه إليّ وقال لي: يا بطال، إليك عني، فإنه عافاني إذ أطلق لي لسانا يوحده، وقلبا يعرفه، وفي كل لحظة يذكره.

وأنشد:

حمدت الله ربي إذ هداني ÷ إلى الإسلام والدين الحنفي

فيذكره لساني كل وقت ÷ ويعرفه فؤادي باللطيف

اللهم اختم لنا منك بخير في عافية، بلا محنة، آمين، والحمد لله رب العالمين.

المجلس الرابع: في الحديث الرابع

الحمد لله الذي أتقن المصنوعات، وفطر الموجودات، وأمات الأحياء وأحيا الأموات، {إِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات} [] .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب الأرضين السبع والسماوات، وأشهد أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله سيد السادات، ومعدن السعادات، صاحب الآيات البينات، والمعجزات الظاهرات، الشفيع فيمن يصلي عليه يوم الحسرات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والكرامات.

عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ:"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا" [رواه البخاري ومسلم] .

اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، إن هذا الحديث حديث عظيم، خرج من بين شفتي النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أنشأ لنا خبرا حادثا (وَهُوَ الصَّادِقُ) في خبره (الْمَصْدُوقُ) أي المصدق فيه، أو الذي يأتيه غيره بالصدق، فهو صلى الله عليه وسلم صادق في قوله وفيما يأتيه من الوحي مصدوق، إذ الله صدقه فيما وعده به.

قوله (إِنَّ أَحَدَكُمْ) بمعنى واحدكم. وقوله (يُجْمَعُ) بالبناء للمفعول (خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً) أي يضمّ ويحفظ ماء خلقه، وهو الماء الذي يخلق منه في ذلك الزمن، (ثُمَّ يَكُونُ) بعد أن كانت نطفة (عَلَقَةً) وهي قطعة دم جامد (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) وهي قطعة لحم صغيرة قدر ما يمضغ (مِثْلَ ذَلِكَ) المذكور، وفيها يصورها الله تعالى، ويجعل لها فما، وسمعا، وبصرا، وأمعاء، وغير ذلك من الأعضاء، ثم إذا تمت وصار ابن مائة وعشرين يوما (يُرْسَلُ الْمَلَكُ) بالبناء للمفعول، أي الموكل بالرحم، كما ذكره في حديث أنس.

أفتى ابن يونس وغيره: أنه لا يحل للمرأة أن تستعمل دواء يمنع الحبل. ذكره في العجالة.

قوله (فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ) قال جمهور المتكلمين: الروح: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر.

وقال جمع منهم: هي عرض، وهي الحياة التي يصير البدن بوجودها حيا، وهي باقية لا تفنى عند أهل السنة.

قوله (وَيُؤْمَرُ) بالبناء للمفعول (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) أي يكتبها ولذلك بينها صلى الله عليه وسلم بقوله (بِكَتْبِ) بالباء الموحدة، (رِزْقِهِ) وهو ما يتناوله الإنسان من مأكول وملبوس وغيرهما، قليلا أو كثيرا، حلالا أو حراما، (وَأَجَلِهِ) وهو الزمن الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، ومدة حياته، (وَعَمَلِهِ) من خير أو شرّ، (وَشَقِيٌّ) بعصيانه اللهَ (أَوْ سَعِيدٌ) بطاعته له، وهما مرفوعان على الخبرية لمبتدأ محذوف، إذ التقدير: وهو شقي أو سعيد.

الكاتب هو الله تعالى، بمعنى أنه يأمر بالكتابة اَلْمَلَكَ.

وقد جاء أيضا: فرغ الله تعالى من أربع من الخلق والأجل والرزق والخلق - بفتخ الخاء - إشارة إلى الذكورة والأنوثة، - وبضمها - إلى السعادة والشقاوة.

وظاهر ما تقدم من أمر الملك بالكتابة أنه من قبل سؤاله فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت