فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 118

وقد ورد أن بكل تسبيحة صدقة، وأن من قرأ سورة الإخلاص عشر مرات بني له قصر في الجنة، ومن قال: سبحان الله، والحمد لله ... إلخ غرست له شجرة في الجنة.

فأين هذا مما لا يستفيد شيئا، وأَشَرُّ من ذلك أن يتكلم بكلمة يغضب بها مولاه، أو يؤذي بها أخاه.

فقد ورد «أَنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ، لَا يُلْقِيْ لَهَا بَالًا، يَهْوِيْ بِهَا فِيْ جَهَنَّمَ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشرِقِ وَالْمَغْرِبِ»

وربما كانت تلك الكلمة سببا في سنة سيئة يستمر العمل بها بعده، فلا يزال يعذب في قبره ما دام يعمل بها.

فقد قيل: يا ويل من مات ولم تمت سيئاته، لأن العبد إذا مات انقطعت أعماله إلا من عمل عملا صالحا يعمل به من بعده، كعلم أو وقف، نسأل الله حسن العاقبة.

وفي الخبر مرفوعا: «أَنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُرِيْدُ بِهَا إِلَّا أَنْ يَضْحَكَ الْقَوْمُ، يَهْوِيْ بِهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ، فَتَقْسُوْ قُلُوْبُكُمْ، وإِنَّ أَبْعَدَ الْقُلُوْبِ مِنَ اللهِ اَلْقَلْبُ اَلْقَاسِيْ»

قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [] ، قيل: المراد من الآية: جميع الأمانات.

وعن البراء بن عازب، وابن مسعود، وأبي بن كعب رضي الله عنهم: الأمانة في كل شيء؛ الوضوء، والصلاة، والزكاة، والصوم، والكيل، والوزن، والودائع.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: خلق الله تعالى نوع الإنسان، وقال: هذه الأمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها.

واعلموا أن في كل عضو من أعضاء الإنسان أمانة؛

-فأمانة اللسان: أن لا يستعمله في كذب، أو غيبة، أو بدعة، أو نحوها،

-وأمانة العين: أن لا ينظر بها إلى محرم،

-وأمانة الأذن: أن لا يصغي بها إلى استماع محرم، وهكذا سائر الأعضاء.

فهذه كلها أمانات مع الله تعالى.

-وأما مع الناس، فرد الودائع، وترك التطفيف في كيل أو وزن أو ذرع، وشر التجار من إذا اشترى أرخى الذراع، وإذا باع شد الذراع.

-وأمانة الأمراء: العدل في الرعية.

-وأمانة العلماء في العامة أن يحملوهم على الطاعة، والأخلاق الحسنة، وينهوهم عن المعاصي، وسائر القبائح، كالتعصبات الباطلة.

-وأمانة المرأة في حق زوجها: أن لا تخونه في فراشه، أو ماله، ولا تخرج من بيته بغير إذنه.

-وأمانة العبد في حق سيده أن لا يقصر في خدمته، ولا يخونه في ماله.

وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك كله بقوله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»

-وأما الأمانة مع النفس فبأن يختار لها الأنفع في الدين والدنيا، وأن يجتهد في مخالفة شهواتها وإرادتها، فإنها السم الناقع المهلك لمن أطاعها في الدنيا والآخرة.

قال أنس رضي الله عنه: قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِيْنَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ»

وقد عظم الله تعالى أمر الأمانة فقال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} أي آدم عليه السلام {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا} أي لنفسه بقبوله تلك التكليفات الشاقة جدا {جَهُوْلًا} بمشاقها التي لا تتناهى.

وليتأمل قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِيْ كَيْدَ الْخَائِنِيْنَ} ، فإنه شدد كيد من خان أمانته.

وقيل: إن الله تعالى خلق الدنيا كالبستان، وزينها بخمسة أشياء؛ علم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة الصلحاء، ونصيحة المستشار، وأداء الأمانة، فقرن إبليس مع العلم الكتمان، ومع العدل الجور، ومع العبادة الرياء، ومع النصيحة الغش، ومع الأمانة الخيانة.

وفي الحديث: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ اَلأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى اَلصَّلَاةُ، وَرُبَّ مُصَلٍّ وَلَا خَيْرَ فِيْهِ»

وفيه: «إِذَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَكْذِبُ، وَإِذَا وَعَدْتُمْ فَلَا يَخْلِفْ، وَإِذَا اُئْتُمِنَ فَلَا يَخُنْ»

وفيه: «اِضْمَنُوْا لِيْ أَشْيَاءَ أَضْمَنْ لَكُمْ اَلْجَنَّةَ؛ اُصْدُقُوْا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوْا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوْا الْأَمَانَةَ إِذَا اُئْتُمِنْتُمْ»

وفيه: «اُكْفُلُوْا لِيْ أَشْيَاءَ أَكْفُلْ لَكُمْ اَلْجَنَّةَ؛ اَلصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْأَمَانَةُ، وَالْفَرْجُ، وَالْبَطْنُ، وَاللِّسَانُ»

وفيه: «ثَلَاثٌ مُتَعَلِّقَاتٌ بِالْعَرْشِ؛ اَلرَّحِمُ تَقُوْلُ: اَللَّهُمَّ إِنِّيْ بِكَ، فَلَا أُقْطَعُ، وَالْأَمَانَةُ تَقُوْلُ: اَللَّهُمَّ إِنِّيْ بِكَ فَلَا أُخَانُ، وَالنِّعْمَةُ تَقُوْلُ: اَللَّهُمَّ إِنِّيْ بِكَ فَلَا أُكْفَرُ»

وفيه: «يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ قُتِلَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَدِّ أَمَانَتَكَ، فَيَقُوْلُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ ذَهَبَتْ اَلدُّنْيَا، فَيُقَالُ: اِنْطَلِقُوْا بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، وَتَمَثَّلَ لَهُ الْأَمَانَةُ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ دُفِعَتْ إِلَيْهِ، فَيَرَاهَا، فَيَعْرِفُهَا، فَيَهْوِيْ فِيْ أَثَرِهَا حَتَّى يُدْرِكَهَا، فَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ خَارِجٌ زَالَتْ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَهُوَ يَهْوِيْ فِيْ أَثَرِهَا أَبَدَ الْآبِدِيْنَ، ثُمَّ قَالَ: اَلصَّلَاةُ أَمَانَةٌ، وَالْوُضُوْءُ أَمَانَةٌ، وَالْوَزْنُ أَمَانَةٌ، وَالْكَيْلُ أَمَانَةٌ، وَعَدَّ أَشْيَاءَ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ اَلْوَدَائِعُ»

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» أي لا تقابله بخيانته.

اللهم وفقنا أجمعين، آمين، والحمد لله وحده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت