وحكي عن إمامنا الشافعي رضي الله عنه أنه قال: من انتهض لطلب مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطل، أو إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد.
فالعجز عن درك الإدراك إدراك، كما قاله الصديق الأكبر رضي الله تبارك وتعالى عنه.
وقال بعض العارفين: سبحان من رضي في معرفته بالعجز عن معرفته.
وقال الجنيد: والله ما عرف الله إلا الله.
وأما الإيمان بوحدانيته تبارك وتعالى فهو أن تعلم أنه منفرد بالملك والتدبير، واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، واحد في أقواله سبحانه وتعالى.
قوله صلى الله عليه وسلم (وملائكته) جمع ملك، وهم أجسام علوية مشكلة بما شاؤوا من الأشكال.
ومعنى الإيمان بهم: التصديق بوجودهم، وبأنهم كما وصفهم الله تعالى بقوله: {عباد مكرمون} [] .
واعلموا أن ملائكة الرحمن عليهم السلام خلقهم الله جل جلاله وعزّ سلطانه من النور بقوله: {كن} ، ولا يحصي عددهم إلا الله سبحانه وتعالى، وهم أنواع متفرقة.
ذكر أن من أعجب ما خلق الله فيهم ملكا نصفه من نار، ونصفه من ثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفئ النار، وهو يسبح الله تعالى ويقدسه ويمجده ويوحده ويقول في كلامه: اللهم يا من ألف بين الثلج والنار، ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين، وهو أكثر الملائكة نصحا لأهل الأرض.
قسم الله تعالى الخلائق ثلاثة أقسام؛
قسم خلقوا بعقل بغير شهوة، وهم الملائكة.
وقسم خلقوا بشهوة بغير عقل، وهم الدواب.
وقسم خلقوا بعقل وشهوة، وهم بنو آدم.
فمن غلب عقله على شهوته كان مع الملائكة، ومن غلبت شهوته على عقله كان مع الدواب.
قوله (وكتبه) معنى الإيمان بالكتب: التصديق بأنها كلام الله المنَزّل على رسله عليهم الصلاة والسلام، وكل ما تضمنته فهو حق.
عدد ما أنزل الله على رسله مائة صحيفة وأربعة كتب، واختار من الجميع أربعة كتب، واختار من الأربعة القرآن، واختار من القرآن سورة الفاتحة، فهي خيار من خيار من خيار، وهي الفاتحة، والشافية، والكافية، ولراقية، والوافية، والكنْز، والأساس. ولها ثلاثون اسما، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.
قوله (ورسله) معنى الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام: التصديق بما جاؤوا به عن الله تعالى.
قدمت الملائكة على الرسل اتباعا للترتيب الوجودي، فإن الملائكة مقدمة في الخلق، أو الترتيب الواقع في تحقيق معنى الرسالة، فإن الله تعالى أرسل الملائكة إلى الرسل.
واعلموا أن أنبياء الله ورسله خير الخلق، اصطفاهم واختارهم وعصمهم وارتضاهم وجعلهم أمناء على دينه وتوحيده وجعلهم بركة وأمناء لخلقه في أرضه، وجعلهم شفعاء مرضيين مقبولين الشفاعة، وهم الرحمة، وبهم ترحم أهل الأرض، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وعددهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، وورد غير ذلك، أولهم آدم، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأولو العزم منهم خمسة؛ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وقد نظم أسماءهم بعض الفضلاء على ترتيبهم في الفضل، فقال:
محمد إبراهيم موسى كليمه ÷ فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم
قوله (واليوم الآخر) هو يوم القيامة، ومعنى الإيمان به: التصديق بوجوده، وبجميع ما اشتمل عليه.
وسمي آخرا، لأنه آخر أيام الدنيا، وآخر الأزمنة المحدودة، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في الختام.
قوله (وتؤمن بالقدر خيره وشره) ومعنى الإيمان به أن نعتقد أن الله تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق، وأن جميع الكائنات بقضاء الله تعالى وقدره، وهو مريد لها. ويكفي اعتقاد جازم بذلك من غير نصب برهان.
كان السلف الصالح رضي الله عنهم يجيبون من سألهم عن القضاء والقدر بأن يقولوا: أن تعلم أن ما أصابك لم ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
وقد سأل سائل الإمام عليا رضي الله عنه عن القضاء والقدر، فأعرض عنه إلى أن سأله الرابعة، فأقبل عليه، فقال: لما خلق الله تعالى خلقك خلقك كيف يشاء أم كيف تشاء، فقال: بل كيف يشاء، قال: فيحييك كيف يشاء أم كيف تشاء، قال: بل كيف يشاء، قال: فيميتك كيف يشاء أم كيف تشاء؟ قال: بل كيف يشاء، قال: فيبعثك يوم القيامة كيف يشاء أم كيف تشاء؟ قال: بل كيف يشاء، قال: فيحاسبك كيف يشاء أم كيف تشاء؟ قال: بل كيف يشاء، قال: اذهب، فليس لك من الأمر شيء.
ومعنى خير القدر وشره أن الإيمان والطاعة وجميع الأعمال الصالحة من خير القدر، وأن الكفر والمعصية