فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 118

المجلس الرابع عشر: في الحديث الرابع عشر

الحمد لله على ما خص به ن نعمه وآلائه، حمدا أستجير به من أليم عقابه وبلائه، والصلاة والسلام على خير أحبابه وأوليائه، محمد وآله وصحبه وأزواجه وجميع أنبيائه، اللهم سددنا في القول والعمل، واعصمنا من الخطايا والزلل، واغفر لنا أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.

(عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ؛ اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِيْنِهِ اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) [رواه البخاري ومسلم] .

اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، أن قتل الآدمي عمدا بغير حق من أكبر الكبائر بعد الكفر.

وقد سئل صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟» قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قِيْلَ: «ثُمَّ أَيٌّ؟» ، قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» [رواه الشيخان] .

وقال صلى الله عليه وسلم: «اِجْتَنِبُوْا اَلسَّبْعَ اَلْمُوْبِقَاتِ» قِيْلَ: «وَمَا هُنَّ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟» ، قَالَ: «اَلشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِيْ حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيْمِ، وَالتَّوَلِّيْ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ اَلْغَافِلَاتِ»

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللهَ مَكْتُوْبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ»

والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة.

قبل الشروع في معنى الحديث، تصح توبة القاتل عمدا، لأن الكافر تصح توبته، فهذا أولى، ولا يتحتم عذابه، بل هو في حظر المشيئة، ولا يخلد عذابه إن عذب، وإن أصر على ترك التوبة، كسائر ذوي الكبائر غير الكفر.

وأما قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيْهَا} [] ، فالمراد بالخلود المكث الطويل، فإن الدلائل تظاهرت على أن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم، أو مخصوص بالمستحلّ، كما ذكره عكرمة وغيره، وإذا اقتص منه الوارث أو عفا على مال أو مجانا، فظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الدار الآخرة، كما أفتى به النووي. وذكر مثله في شرح صحيح مسلم.

ومذهب أهل السنة أن المقتول لا يموت إلا بأجله، والقتل لا يقطع الأجل، خلافا للمعتزلة، فإنهم قالوا: القتل يقطعه.

قوله صلى الله عليه وسلم (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أي لا يحل إراقة دمه، إذ الأصل في الدماء العصمة عقلا وشرعا؛

أما العقل فلما في قتله من إفساد صورته المخلوقة في أحسن تقويم، والعقل يأبه.

وأما الشرع فللنهي عنه في الكتاب العزيز بقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِيْ حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [] ، ونحوه.

والسنة الغراء، بقوله صلى الله عليه وسلم المتقدم.

وذكر المسلم هنا للتهويل والتعظيم، فلا يفهم منه جواز قتل المعاهد، والذمي، ولا الصغير الكافر، وإن كان حربيا، للنهي عن قتلهم.

قوله صلى الله عليه وسلم (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ؛ اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي) أي المحصن، ذكرا كان أو أنثى، والمراد: رجمه بالحجارة إلى أن يموت، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بماعز، والغامدية لما زنيا، لأن الثيب الزاني هتك عصمة الله تعالى، فأبيح دمه، وفيه مفسدة عظيمة، فاقتضت الحكمة درأها بذلك.

وليعلم أن الزنا أكبر الكبائر بعد القتل، ومن ثم قرنه الله تعالى بالشرك والقتل، بقوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِيْ حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيْهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان:] .

وسبب نزولها أن ناسا مشركين أكثروا من القتل والزنا، فقالوا: يا محمد، ما تدعو إليه حسن لو تخبرنا أن تكون لما عملنا كفارة؟! فنزلت، ونزل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِيْنَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ .. } [الزمر:] .

وقال صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ النَّاسِ، اِتَّقُوْا الزِّنَا، فَإِنَّ فِيْهِ سِتَّ خِصَالٍ؛ ثَلَاثٌ فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثٌ فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا الَّتِيْ فِي الدُّنْيَا: فَيُذْهِبُ الْبَهَاءَ، وَيُوْرِثُ الْفَقْرَ، وَيُنْقِصُ الْعُمْرَ، وَأَمَّا الَّتِيْ فِي الْآخِرَةِ فَسُخْطُ اللهِ، وَسُوْءُ الْحِسَابِ، وَعَذَابُ النَّارِ» .

وليعلم أيضا أن جد الزاني جلد مائة، وتغريب عام إن كان غير محصن، وأما المحصن، وهو الحر المكلف الذي وطئ في نكاح صحيح ولو مرة في عمره فحده الرجم بالحجارة إلى أن يموت، كما قدمناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت