فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 118

الْخَمْسَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» [رواه مسلم]

ومعنى: وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ اجتنبته، ومعنى: أَحْلَلْتُ الْحَلَالَ فعلته معتقدا حِلَّهُ.

اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن الرجل السائل اسمه النعمان بن قوقل - بقافين مفتوحينن بينهما واو ساكنة، وآخره لام.

قوله: (أَرَأَيْتَ) من الرأي أي ترى، وتفتي بأني (إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوْبَاتِ الْخَمْسَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ) أي اجتنبته (وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا) من التطوّعات (أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي من غير عقاب؟

وقد صح أن بعض الكبائر تمنع من دخول الجنة مع التأخير، كقطع الرحم، والكبر، والدّين حتى يقضى.

وصح أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط حبسوا على قنطرة حتى يقتصّ منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا.

قوله: (قَالَ: «نَعَمْ» ) أي تدخلها.

ولم تذكر الزكاة، والحج، لعدم فرضهما إذ ذاك، أو لكونه لم يخاطب بهما.

وفي الحديث: جواز ترك التطوّعات رأسا، وإن تمالأ عليه أهل بلد، فلا يقاتلون، وإن ترتب على تركها فوات ربح عظيم، وثواب جسيم، وإسقاط للمروءة، وردّ للشهادة، لأن مداومة تركها تدل على تهاون في الدين، إلا أن يقصد بتركها الاستخفاف بها، والرغبة عنها، فيكفر.

الإشارة الأولى: الحكمة في أن الصلوات خمسة، أن الصلوات وجبت على العبد شكرا لنعمة البدن، ونعمة البدن هي الحواس الخمس: الذوق، والشم، والسمع، والبصر، واللمس، ولكل حاسة من هذه الحواس أشياء يعلم منها ما وضعت له، فنعمة اللمس اثنان، إذا وضعت يدك مثلا على شيء لمسته، عرفت إن كان خشنا أو ناعما، فمقابله ركعتان، وهي صلاة الصبح.

وأما الثانية من الخمسة وهي الشم، فأنت تشم الرائحة من الجوانب الأربع، فمقابلها أربع ركعات، وهي صلاة الظهر.

والثالثة من الحواس: السمع، فتسمع بها من الجوانب الأربع، فمقابلها أربع ركعات، وهي صلاة العصر.

الرابعة: البصر، فإذا وقفت مثلا في مكان، ترى عن يمينك، ويسارك، وأمامك، ولا ترى من خلفك، فهذه ثلاثة، فمقابل ذلك ثلاث ركعات وهي المغرب.

الخامسة: الذوق، فتعرف به الحرارة، والبرودة، والحلو، والحامض، وهي أربعة، فمقابله أربع ركعات، وهي العشاء.

الإشارة الثانية: القبلة خمس: العرش قبلة الحافين، والكرسي قبلة الكروبيين، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، و {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [] قبلة المتحيّرين، فالعرش خلقه الله من نور، والكرسي من درّ، والبيت المعمور من عقيق، وقيل: من ياقوت، والكعبة من خمسة أجبل، والحكمة في ذلك أنك إذا صليت هذه الصلوات الخمس، وكانت ذنوبك ثقل هذه الجبال، غفرها لك ولا يبالي.

الإشارة الثالثة: في شرح المسند للرافعي - رحمه الله - أن الصبح كانت لآدم، والظهر كانت لداود، والعصر كانت لسليمان، والمغرب كانت ليعقوب، العشاء كانت ليونس - عليهم الصلاة والسلام -، فجمع الله تعالى هذه الصلوات لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، تعظيما له ولأمته.

الإشارة الرابعة: قال بعض أهل المعاني: أجناس الصلوات الخمس: ثلاثي، وباعي، وثنائي، والحكمة فيه أن الله تعالى خلق جميع الملائكة على ثلاثة أجناس، فمنهم ذو جناحين، ومنهم ذو ثلاثة، ومنهم ذو أربعة، كما قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيْ أَجْنِحَةٍ مَثَنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [] ، فأمر الله تعالى بصلوات هذه الخمس، ليعطي المصلي ثواب تسبيح الملائكة كلهم بفضله ورحمته.

الإشارة الخامسة: قال بعض أهل المعاني أيضا: الحكمة في هذه الصلوات الخمس في الأوقات الخمس أن الله سبحانه وتعالى فعل أفعالا لا يقدر على فعلها إلا هو،

منها: أنه يذهب ظلمة الليل، ويجيء بضوء النهار، وعند طلوع الفجر، فوجب على عبده أن يصلي الفجر.

ومنها: ارتفاع الشمس عند الاستواء، ولا يقدر على ذلك إلا هو، فوجب على عباده صلاة الظهر.

ومنها: انخفاضها بدخول وقت العصر، ولا يقدر على ذلك إلا هو، فوجب صلاة العصر.

ومنها: غروب الشمس بدخول وقت المغرب، فوجبت صلاة المغرب.

ومنها: ذهاب النهار ببهائه، وإتيان الليل بظلمائه، فوجب على عباده صلاة العشاء.

فهذه خمسة أفعال لا يقدر عليها إلا هو، فأمر عباده أن يصلوا فيها خمس صلوات، ولا يستحقها إلا هو.

الإشارة السادسة: عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال: بَيْنَمَا رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيْ مَلَأٍ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُوْدِ، فَقَالُواْ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَا نَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلُوا» ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت