لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوْبِقُهَا» (أخرجه مسلم) .
اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث اشتمل على مهمات قواعد الدين، ويتفرع منه المجالس.
قوله - صلى الله عليه وسلم: (اَلطُّهُوْرُ شَطْرُ الْإِيْمَانِ) أي نصف الإيمان، الكامل المركب من تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل الأركان، وهو وإن كثرت خصاله، لكنها منحصرة فيما ينبغي التنَزّه والتطهّر عنه، وهو كل منهي عنه، وما ينبغي التلبّس به، وهو كل مأمور به، فهو شطران، والطهارة بالمعنى اللغوي شاملة لجميع الشطر الأول.
وقد روى ابن ماجه، وابن حبان: «إِسْبَاغُ الْوُضُوْءِ شَطْرُ الْإِيْمَانِ» .
وروى الترمذي في: «اَلْوُضُوْءُ شَطْرُ الْإِيْمَانِ» ، ومعناه أنه تمام الشطر، لا كل الشطر.
والطَّهور في الحديث - بالفتح - للمبالغة، كضروب، الأبلغ من ضارب، أو اسم آلة لما يتطهّر به، كسحور، وبالضمّ الفعل، وهو المراد هنا.
قال الأئمة - رضي الله عنهم: الطهارة تنقسم إلى واجب، كالطهارة عن حدث، ومستحب كتجديد الوضوء والأغسال المسنونة.
ثم الواجب ينقسم إلى بدني وقلبي، فالقلبي: كالحسد، والعجب، والرياء، والكبر. قال الغزالي: معرفة حدودها وأسبابها وطبّها وعلاجها فرض عين يجب تعلّمه. والبدني: إما بالماء، أو التراب، أو بهما، كما في ولوغ الكلب، أو بغيرهما، كالحريف في الدباغ، أو بنفسه كانقلاب الخمر خلّا، وكل ذلك مقرر في كتب الفقه.
ذكر أن الملائكة لما قالت: {أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا} [البقرة:] غضب الله عليهم، فأهلك بعضا، وتاب على بعض، منهم منكر ونكير، وأمرهم بالوضوء من عين تحت العرش، فصلى بهم جبريل ركعتين، فهذا أصل الوضوء وصلاة الجماعة.
وقال عثمان - رضي الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَا يُسْبِغُ عَبْدٌ اَلْوُضُوْءَ إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (رواه البزار بإسناد حسن) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُمَضْمِضُ فَاهُ إِلَّا غَفَرَ اللهُ لِهُ كُلَّ خَطِيْئَةٍ أَصَابَهَا بِلِسَانِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ إِلَّا كَانَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (رواه الطبراني) .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَوَضَّأَ الْمُسْلِمُ خَرَجَتْ ذُنُوْبُهُ مِنْ سَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَيَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ، فَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ مَغْفُوْرًا لَهُ» (رواه الإمام أحمد والطبراني)
فتسنّ المحافظة على الوضوء، لما ورد في الخبر، يقول الله تعالى: {مَنْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَقَدْ جَفَانِيْ، وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُصَلِّ فَقَدْ جَفَانِيْ، وَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَدْعُنِيْ فَقَدْ جَفَانِيْ، وَمَنْ أَحْدَثَ، وَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى، وَدَعَانِيْ وَلَمْ أَسْتَجِبْ لَهُ فَقَدْ جَفَوْتُهُ، وَلَسْتُ بِرَبٍّ جَافٍ} .
وحكي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أرسل رسولا إلى الشام، فمرّ على دير راهب، فطرق بابه، ففتح بابه بعد ساعة، فسأله عن ذلك فقال: أوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام: إذا خفت سلطانا فتوضأ، وأمر أهلك به، فإن من توضأ كان في أمان مما يخاف، فلم أفتح لك حتى توضأنا جميعا.
وفي طبقات ابن السبكي: قال الله تعالى: يا موسى، توضأ، فإن أصابك شيء وأنت على غير وضوء فلا تلومن إلا نفسك.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «يأ أنس، إن استطعت أن تكون أبدا على وضوء فافعل، فإن ملك الموت إذا قبض روح عبد وهو على وضوء كتبت له شهادة» .
وحكي أنه كان في زمن عيسى - عليه السلام - امرأة صالحة، فجعلت العجين في التنور، وأحرمت بالصلاة، فجاءها إبليس في صورة امرأة وقال: احترق العجين، فلم تلتفت إليه، فأخذ ولدها، وجعله في التنور فلم تلتفت إليه، فدخل زوجها فوجد الولد في التنور يلعب بالجمر وقد جعله الله عقيقا أحمر، فأخبر عيسى بذلك، فقال: ادعها إليّ، فدعاها فسألها عن عملها، فقالت: يا روح الله، ما أحدثت إلا وتوضأت، ولا طلب أحد مني حاجة إلا قضيتها، وأحتمل الأذى من الأحياء كما يحتمله الأموات منهم.
وجاء جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرير من ذهب، قوائمه من فضة مفصص بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد، مفروش بالسندس والاستبرق، فاستقر على الأرض ببطحاء مكة، فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقعده معه على السرير، ولجبريل أربعة جناح من لؤلؤ، وجناح من ياقوت، وجناح من زمرد، وجناح من نور رب العالمين، بين كل جناحين خمسمائة عام، على رأسه ذؤابتان؛ واحدة على لون الشمس، والأخرى على لون القمر، مرصعتان بالجوهر والياقوت، محشوّتان بالمسك والكافور، ومعه سبعون ألف ملك، فضرب بجناحه الأرض، فنبعت عين ماء، فتوضأ جبريل، وغسل أعضاءه ثلاثا، وتمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله