قوله (قُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، لِمَنْ؟ قَالَ: للهِ) بمعنى الإيمان به، وطاعته بالقلب والبدن ونحو ذلك. وما ذكر هو في الحقيقة راجع إلى العبد من نصح نفسه، إذ هو سبحانه وتعالى غني عن ذلك.
قوله (وَلِكَتَابِهِ) بمعنى تعظيمه والإيمان به والعمل بما فيه وما أشبه ذلك.
قوله (وَلِرَسُوْلِهِ) بمعنى تصديقه فيما جاء به وإعانته على أمر ربه قولا وعملا واعتقادا.
قوله (وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِيْنَ) أي ولاة أمورهم، يعني: الوفاء لهم بعهدهم، وتنبيههم على ما فيه رشدهم، وما أشبهه، والدعاء لهم بالتوفيق.
قال بعضهم: وقد يقال: المراد بهم هنا: علماء الدين، ومن نصيحتهم قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم، إلى غير ذلك.
قوله (وَعَامَتِهِمْ) أي بأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ونحو ذلك، ولم يعد فيهم اللام، لأنهم تبع لأئمتهم.
قال الإسنوي رحمه الله في بعض مؤلفاته في الحديث: إذا أراد الله بالعبد خيرا، ساق إليه من يذكره إذا غفل، وإذا أراد الله به شرا، ساق إليه جليس سوء ينهاه عن الأخذ بالموعظة.
ولما تولى هارون الرشيد، جلس للناس مجلسا عاما، فدخل عليه بهلول المجنون، فقال له: يا أمير المؤمنين، احذر جلساء السوء، واعتمد جليسا صالحا يذكرك بمصالح خلقه إذا غفلت، والنظر فيهم إذا لهوت، فإن هذا أنفع لك وللناس، وأكثر في الأجر مما تأتي به من صوم وصلاة وقراءة وحج، إن الرجل كان يلقي الكلمة عند ذي السلطان فيعمل بها، فيملأ الأرض فسادا، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لاَ يُلْقِيْ لَهَا بَالًا فَيَهْوِيْ بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا» ، ولا تكن يا أمير المؤمنين كمن قال الله تعالى في حقه: {وَإِذَا قِيْلَ لَهُ: اِتَّقِ اللهَ، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ، وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [] .
فقال له: زدني.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قد أقاد لك الناس، وجعل أمرك فيهم مطاعا، وكلمتك فيهم نافذة، وأمرك فيهم ماضيا، وما ذلك إلا لتحملهم على الإتيان بما أمر الله، والانتهاء عما نهى الله عنه وتعطي من هذا المال الأرملة، واليتيم، والشيخ الكبير، وابن السبيل.
يا أمير المؤمنين، أخبرني فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَجَمَعَ اللهُ الأَوَّلِيْنَ وَالآخِرِيْنَ فِيْ صَعِيْدٍ وَاحِدٍ، أَحْضَرَ الْمُلُوْكَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ وُلاَةِ أُمُوْرِ النَّاسِ فَيَقُوْلُ لَهُمْ: أَلَمْ أُمَكِّنْكُمْ مِنْ بِلاَدِيْ؟! وَأُطِعْ لَكُمْ عِبَادِيْ؟! لاَ لِجَمْعِ اْلأَمْوَالِ، وَحَشْدِ الرِّجَالِ، بَلْ لِتَجْمَعُوْهُمْ عَلَى طَاعَتِيْ، وَتُنَفِّذُوا فِيْهِمْ أَمْرِيْ وَنَهْيِيْ، وَتُعِزُّوْا أَوْلِيَائِيْ، وَتُذِلُّوْا أَعْدَائِيْ، وَتَنْصُرُوْا اَلْمَظْلُوْمِيْنَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ» .
يا هارون، تفكر كيف يكون جوابك عما تسأل عنه من أمور العباد في ذلك الموقف إذا حضرتَ ويداك مغلولتان إلى عنقك، وجهنم بين يديك، والزبانية محيطة بك، تنتظر ما يؤمر بك.
قال: فبكى هارون بكاء شديدا، فقال له بعض الحاضرين، كدرت على أمير المؤمنين مجلسه، فقال لهم هارون: قاتلكم الله، إن المغرور من غررتموه، والسعيد من بعدتم عنه.
ثم خرج من عنده.
فانظر يا أخي إلى هذه النصيحة، ما أعظمها.
شاردة في تفسير قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ، اُدْخُلُوْا مَسَاكِنَكُمْ، لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُوْدُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُوْنَ} [] .
قال ابن عطاء: تكلمت النملة بكلام جمعت فيه عشرة أجناس من الكلام، فنادت، ونبَّهت، وسَمَتْ، وأمرت، ونصحت، وحذرت، وخصت، وعمّت، وأشارت، وأعذرت؛ أما النداء، فبيا، وأما التنبيه، فقولها: أيها، وأما التسمية، فقولها: النمل، وأما أمرت، فقولها: ادخلوا، وأما نصحت، فقولها: مساكنكم، وأما حذرت، فقولها: لا يحطمنكم، وأما خصت، فقولها: سليمان، وأما عمت، فقولها: وجنوده، وأما أشارت، فقولها: وهم، وأما أعذرت، فقولها: لا يشعرون.
قال ابن عطاء: قضت النملة خمسة حقوق، فحقا لله، وحقا لسليمان، وحقا لها، وحقا للنمل، وحقا لكم؛ فأما الحق الذي لله عزّ وجلّ، فإنها كانت استرعيت على النمل، فأفزعتهم، وأما الحق الذي لسليمان، فإنها نبهت على حق النمل، وأما الحق الذي لها، فإنها أسقطت حق الله تعالى عنها بنصيحتها له، وأما الحق الذي للنمل، فقولها: ادخلوا مساكنكم، وهي النصيحة، وأما الق الذي لكم، فأدت بفعلها حقا قضته، وحقا لله أدته.
قال ابن عطاء: وذلك أنه ما ضحك سليمان إلا مرتين؛ المرة التي ظفر بالضحاك فيها، والمرة التي أشرف فيها على وادي النمل لما سمع النملة تقول: ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون.
فيا إخواننا، كم في القرآن العظيم من آية تدل على النصيحة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه وينصحهم بوصايا نفعتهم، ونفعت من بعدهم، فمن وصاياه صلى الله عليه وسلم، ما ورد عن أنس رضي الله عنه قال: أَوْصَانِيْ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِيْ: «أَسْبِغِ الْوُضُوْءَ يَزِدْ فِيْ عُمْرِكَ، وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ