فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 118

أَحَدًا غَيْرَكَ. قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ) أي جدد إيمانك بقلبك ولسانك لتستحضر جميع معاني الإسلام والإيمان الشرعي. (ثُمَّ اسْتَقِمْ) على الطاعات والانتهاء عن جميع المخالفات، إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج.

وغاية الاستقامة ونهايتها: أن لا يلتفت العبد إلى غير الله تعالى، وهي الدرجة القصوى التي بها كمال المعارف والأحوال، وصفاء القلوب في الأعمال، وتنزيه العقائد عن مفاسد البدع والضلال.

قال أبو القاسم القشيري - رحمه الله: من لم يكن مستقيما في حاله ضاع سعيه، وخاب جده.

ولذا قيل: لا يطيق الاستقامة إلا الأكابر، فإنها لا تحصل إلا بالخروج عن المألوفات، ومفارقة العادات، والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق.

ولعزتها أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الناس لا يطيقونها فيما أخرجه الإمام أحمد: «اِسْتَقِيْمُوا وَلَنْ تُطِيْقُوا» ، وحاصله أن الإسلام توحيد وطاعة، فالتوحيد حاصل بالجملة الأولى، والطاعة يجمع بجميع أنواعها ضمن الجملة الثانية، إذ الاستقامة مرجعها إلى امتثال كل مأمور، واجتناب كل منهي.

وزاد الترمذي في هذا الحديث: قلتُ: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: «هَذَا» .

ففيه أن أعظم ما يراعى استقامته بعد القلب اللسان، فإنه ترجمان القلب.

وقد أخرج الإمام أحمد: «لَا يَسْتَقِيْمُ إِيْمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيْمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيْمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيْمَ لِسَانُهُ» .

وليعلم أن اللسان في بعض المواضع أضرّ من سيف قاطع وسنان مجرد.

قال سفيان: لأن ترمي إنسانا بسهم أهون من أن ترميه بلسانك، فإن السهم قد يخطئه، واللسان لا يخطئه.

وقيل:

جراحات السنان لها التئام ÷ ولا يلتام ما جرح اللسان

والاستقامة خير من ألف كرامة، وما أكرم الله تعالى عبدا بكرامة خير من الاستقامة.

ولهذا لم ينقل عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - إلا القليل من الكرامات.

ونقل عن المتأخرين من المشايخ والصادقين والمريدين أكثر من ذلك، رحمة الله عليهم أجمعين، لأن الصحابة - رضي الله عنهم - ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبتهم له، ومشاهدة الوحي، وتردد الملائكة، وهبوطها بين يديه، تنوّرت قلوبهم، وزكت نفوسهم، فعاينوا الآخرة، واستغنوا بما أعطوا أعزّ رؤية الكرامة، واشتغلوا بالعبادة والاستقامة، وزهدوا في الدنيا الدنيئة، كما في خبر حارثة المشهور.

ويقال في قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] ، [الأحقاف: 13] ، قالوها بألسنتهم، ثم استقاموا فصدقوا بقلوبهم.

ويقال: قالوا مصدقين بها، ثم استقاموا على التصديق حتى ماتوا مسلمين.

ويقال: قالوها بالإيمان، ثم استقاموا بالطاعة والإحسان.

واعلموا يا إخواني أن من أطاع الله تعالى أطاعه كل شيء، ومن خاف الله تعالى خافه كل شيء.

قال عوف بن أبي شداد العبدي: بلغني أن الحجاج بن يوسف لما ذكر له سعيد بن جبير أرسل إليه قائدا يسمى المتلمس بن الأحوص، ومعه عشرون رجلا من أهل الشام من خاصة أصحابه، فبينما هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعة له، فسألوه عنه، فقال الراهب: صفوه لي، فوصفوه له، فدلّهم عليه، فانطلقوا، فوجدوه ساجدا يناجي بأعلى صوته، فدنوا منه، فسلموا عليه، فرفع رأسه، فأتم بقية صلاته، ثم ردّ عليهم السلام، فقالوا: أرسل الحجاج إليك، فأجبه، قال: ولا بد من الإجابة؟ قالوا: لا بد، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قام، فمشى معهم حتى انتهى إلى دير الراهب، فقال الراهب: يا معشر الفرسان، أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم، قال لهم: اصعدوا الدير، فإن اللبوة والأسد يأويان حول الدير، فعجلوا الدخول قبل المساء، ففعلوا ذلك، وأبى سعيد أن يدخل الدير، فقالوا له: نا نراك إلا تريد الهرب منا. قال: لا، ولكن لا أدخل منزل مشرك أبدا. قالوا: فإنا لا ندعك، فإن السباع تقتلك. قال سعيد: إن معي ربي يصرفها عني، ويجعلها حرسا حولي تحرسني من كل سوء إن شاء الله تعالى، قالوا: أفأنت من الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء، ولكني عبد من عبيد الله خاطئ مذنب. فقالوا: احلف لنا أنك لا تبرح. فحلف لهم. فقال لهم الراهب: اصعدوا الدير، وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح، فإنه كره الدخول علي في الصومعة، فدخلوا وأوتروا القسي، فإذا هم بلبوة قد أقبلت، فلما دنت من سعيد تحككت به وتمسحت به، ثم ربضت قريبا منه، وأقبل الأسد مثل ذلك، فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا، نزل فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ففسّر له سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب، وحسن إسلامه، وأقبل القوم إلى سعيد يعتذرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت