عدم الشكر- متعذر وصعب على العجزة والمساكين، وأن مفاتيح أبواب المدينة وزمام اختيار أهل القلعة في يد ذلك الغادر الجائر، فما يصير هو أن يترك كسرى فاتح البلاد إخضاع القلعة عدة شهور، وأن يوقف تدبير أمر نادر ميرزا الآيل للخذلان إلى موضع آخر حتى يفكر أهل المدينة في حيلة لأمره ويخرجوا عنان الاختيار والاقتدار من قبضة قدرته، ويعدوا المدينة تحت تصرف مسئولى دولة العصر بالتمهيد الذى يعلمونه ويقدرون عليه، فينجون من فكرة السخط والعذاب. وصدق أمراء خراسان أيضا على قول حضرته وتعهدوا بهذا العهد.
و كان ظاهرا على الضمير الخاقانى المنير، بأنه لو يخضع قلعة الأرض المقدسة بالغلبة والقهر، فلسوف يصبح رجال ونساء تلك الناحية- الذين هم مستريحون في ظل مولاى الثامن «1» - طعمة لسيف الأبطال السفاك للدماء وعرضة للأتراك الشجعان، وللضرورة قبل شفاعة الفاضل الكامل من وجه كمال المرحمة، وقرر إخضاع القلعة على التعهد الذى مضى في عهده [ص 89] حكام خراسان، وكلف حسين خان رئيس فرقة الغلمان بقيادة ولاية خراسان علاوة على حكومة نيسابور. وأخذت الرايات المنصورة في التحرك إلى ناحية دار الخلافة طهران، وانشغل هو لعدة أيام في التنزه والصيد في منزل"تششمه على"الذى كان روضا عامرا ومريحا، ومن هناك صار بطل جيش ملجأ الظفر كحل عين أهالى بلدة سمنان، وقد أعطوا للنائب الأمير محمد ولى ميرزا الاحتفالات المقبولة وقدموا له الهدايا اللائقة.
و في خلال تلك الأحداث، حضر محمود ميرزا الأفغانى، على النحو الذى سبق ذكره، إلى ولاية"قاين"لطلب مساندة واستمداد الخاقان فاتح البلاد حضرة فلك المنزلة، وعقد جمعا قليلا وعزم إلى قندهار بقوة الإقبال الخالدة لكسرى الذى لا شبيه
(1) يقصد الإمام على بن موسى الرضا المتوفى سنة 203 ه. ق وهو الإمام الثامن في الترتيب الاثنى عشرى عند الشيعة الإمامية الاثنى عشرية ومدفنه بمدينة مشهد عاصمة إقليم خراسان. (انظر الإسلام في إيران: تأليف بطروشوفسكى، ترجمة وتعليق د. السباعى محمد السباعى، القاهرة، 1985، بتصرف ص 306: 213) .