و عندما كان يصل إلى المدينة الكبيرة، فلو كان يوجد أرز أو كان يحصل على الفاكهة من المخزن أو غيره لكان يقسم ما يوازى قبضة الشخص على كل ملتزمى الركاب، وكان يصل لخاصته الشريفة مثلما يصل لأحد أفراد الجند، ولم يكن يفكر في الغد، والشى ء الذى لم يكن في مقدور كل شخص لم يكن ينظر إليه مثل السكر والعسل وسائر التنعمات.
و الحق أن هذا التقدير وهذه الخصائل الحميدة ورعاية الخدم والأخلاق المحمودة قد محت محاسن أطوار السلاطين القدماء من على صفحة الزمان. وقد حفظت الحكاية التى رواها وصاف الشيرزاى «1» عن جنكيز خان، على رف النسيان. وتلك الحكاية كانت كذلك: وهى أنه [جنكيز خان] ذهب يوما مع أهله ومقربيه إلى الصيد، ولم يصطد في ذلك اليوم سوى عصفور، فشوى ذلك الطائر الضعيف [ص 356] وقسمه ذرات ذرات على ملتزمى الركاب. وقسم عليهم الذرة منه أيضا وهى في الحساب الجزء الذى لا يتجزأ وأكل الإحسان الذى لا يقبل مضغة بين جذوع الأسنان، وكان الحاضرون في ذلك الحضور هم الأمراء والقواد أنفسهم الذين لم يبتعدوا عن ركابه في الشدة والرخاء والحرب والسلام. وعندما أخضع ممالك العالم ودمر الأبطال أطرافه وكان كل واحد منهم يعرف بالاسم والصفة، ورافقوه لسنوات في خدمته وطاعته، وتعبوا لفترات في ركابه، وكانوا حارسين لمصلحة ملكه وحروبه وغزواته، فكرمهم جميعا. وجعلهم أصحاب ولاية وحكم وخيل وخدم. ومنذ ذلك، وكتب التواريخ المشهودة شاهدة على ذلك الرأى وحتى آخر الزمان تتحدث عن مآثر ومفاخر الملوك وطالما بقى في العالم الاسم والرسم يفتشون عن حسن أخلاق الأكاسرة في صفحات الأوراق. واليوم، والحمد والمنة لله، فإن النواب نائب السلطنة العلية مع عظمة الملك وتوفيق عظمة الطبع ورحمة القلب يظهر في جنة المكرمة والفضل مثل شجرة طوبى «2» على رأس الأحرار ملقية ظلها على دفاتر مآثر السلاطين السابقين، وتحكى قصة الملوك القدامى المخزونة في حافظة أهل
(1) عبد الله بن فضل الله الشيرازى، المعروف بوصاف أو وصاف الحضرة الشيرازى وكتابه باسم"تجربة الأمصار وتزجية الأعصار"الذى عرف ب تاريخ وصاف، ألفه في عام 712 ه باسم اولجايتو الإيلخانى. (انظر: هزار سال نثر بارس: كريم كشاورز، ج 2 ص 964)
(2) شجرة طوبى: اسم شجرة في الجنة. (انظر: المعجم الفارسى الكبير: ج 2، ص 1865)