المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى، ص: 157
إن جعلته استثناء متصلا فله وجه صحيح من التأويل.
معناه: إلا الذين ظلموا فإنّ لهم عليكم حجة لا صحة لها، وهي- وإن لم تصح- لا يزول عنها اسم الحجة، كقوله تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ «1» وإن كانت داحضة باطلة سمّاها حجة.
وكقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ «2» .
وحقيقة الحجة في اللغة: إظهار برهان تدحض به حجة الخصم.
وقيل: إن الاستثناء ههنا منقطع، فمعناه: لكن الذين ظلموا فإنهم يحتجون عليكم ولا حجة لهم.
وقيل: إن الاستثناء ههنا بمعنى الواو، كأنه قال: لئلا يكون للناس «لليهود» عليكم حجة، والذين ظلموا: أشركوا لا حجة لهم أيضا.
ونظائرها من القرآن من المتصل والمنقطع بمعنى الواو ما نذكرها إن شاء اللّه، منها قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ «3» ، فههنا يحتمل المنقطع والمتصل، أما المنقطع، فمعناه لكن من ظلم فمرخّص له أن يجهر. ومعنى المتصل: لا يحب اللّه الجاهر بالقول السوء إلا من ظلم، فإنه إن يجهر القول بالدعاء على ظالمه ويظهر شكاية منه كان له ذلك.
وقوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا «4» . المعنى: لكن يسمعون؛ لأن الاستثناء إذا لم يكن من جنس المستثنى منه يكون منقطعا، فيكون منصوبا على القطع.
(1) سورة الشورى: آية 16.
(2) سورة البقرة: آية 258.
(3) سورة النساء: آية 148.
(4) سورة الواقعة: آية 26.