وَأَطْنَبَ الْبَيْهَقِيّ فِي تَصْحِيح الحَدِيث بدلائله،فَحصل أنَّه غير مُضْطَرب . وَقد قَدَّمنا - قبل هَذَا - كَلَام الْحَاكِم أبي عبد الله فِي ذَلِك .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ،و «علله» : رَوَاهُ الْوَلِيد بن كثير عَن المُحَمَّدَيْن . فصحَّ الْقَوْلَانِ عَن أبي أُسَامَة،وصحَّ أَن الْوَلِيد بن كثير رَوَاهُ عَن هَذَا مرّة،وَعَن الآخر أُخْرَى .
وَكَذَلِكَ قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» : الظَّاهِر عِنْد الْأَكْثَرين صِحَة الرِّوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ فِي «التذنيب» : الْأَكْثَرُونَ صححوا الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا،وَقَالُوا إِن عبد الله،وَعبيد الله روياه عَن أَبِيهِمَا .
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي «شرح الْمسند» : لأجل هَذَا الِاخْتِلَاف تَركه البُخَارِيّ وَمُسلم،لِأَنَّهُ عَلَى خلاف شَرطهمَا،لَا لطعن فِي متن الحَدِيث،فإنَّه فِي نَفسه حَدِيث مَشْهُور مَعْمُول بِهِ،وَرِجَاله ثِقَات معدلون،وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف مِمَّا يوهنه . ثمَّ ذكر مقَالَة الْحَاكِم الْمُتَقَدّمَة .
وَقَالَ الْخطابِيّ: يَكْفِي شَاهدا عَلَى صِحَة هَذَا الحَدِيث: أَن نُجُوم أهل الحَدِيث صحَّحوه،وَقَالُوا بِهِ،واعتمدوه فِي تَحْدِيد المَاء،وهم الْقدْوَة،وَعَلَيْهِم الْمعول فِي هَذَا الْبَاب .
فَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي،وَأحمد،وَإِسْحَاق،وَأَبُو ثَوْر،وَأَبُو عبيد،وَابْن خُزَيْمَة،وَغَيرهم .
وَقَالَ عبد الْحق: حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد» : هَذَا الحَدِيث حَسَّنه الحفَّاظ وصحَّحوه،وَلَا تُقبل دَعْوَى من ادَّعى اضطرابه .
(وَأما الْوَجْه الثَّانِي: فَهُوَ أَنه قد رُوي فِيهِ) : «إِذا كَانَ المَاء قدر قُلَّتَيْنِ أَو ثَلَاث،لم يُنجسهُ شَيْء» رَوَاهُ الإِمام أَحْمد .
وَفِي رِوَايَة للدارقطني: «إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا،لم يُنجسهُ شَيْء» .
وَفِي رِوَايَة: لِابْنِ عدي،والعقيلي،وَالدَّارَقُطْنِيّ: «إِذا بلغ المَاء أَرْبَعِينَ قلَّة،فإنَّه لَا يحمل الْخبث» .
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك: أما الرِّوَايَتَيْنِ (الأولتين،فهما شاذتان،غير ثابتتين،فوجودهما كعدمهما . قَالَه النَّوَوِيّ) فِي «شرح الْمُهَذّب» .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : رَوَاهُمَا حَمَّاد،واختُلف عَلَيْهِ:
فروَى عَنهُ: إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج،وهدبة،وكامل بن طَلْحَة،فَقَالُوا: «قُلَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا» .
وَرَوَى عَنهُ: عفَّان،وَيَعْقُوب بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ،وَبشر بن السّري،والْعَلَاء بن عبد الجَبَّار،ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل،وَعبيد الله بن مُوسَى العيشي: «إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ» . وَلم يَقُولُوا: «أَو ثَلَاثًا» .
وَاخْتلفُوا عَن يزِيد بن هَارُون،فروَى عَنهُ ابْن الصَبَّاح بِالشَّكِّ،وَأَبُو مَسْعُود بِغَيْر شكّ . فَوَجَبَ الْعَمَل عَلَى قَول من لم يشك .
وَأما الرِّوَايَة الْأَخِيرَة،فَلَيْسَتْ (من حَدِيث الْقلَّتَيْنِ) فِي شَيْء، (ذَاك) من طَرِيق ابْن الْمُنْكَدر عَن جَابر مَرْفُوعا،تفرد بِهِ الْقَاسِم الْعمريّ،عَن ابْن الْمُنْكَدر،وَهِي مَرْدُودَة بالقاسم .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: غلط فِيهِ،وَكَانَ ضَعِيفا فِي (الحَدِيث) ، (جَرَّحه) أَحْمد، (وَيَحْيَى) ،وَالْبُخَارِيّ،وَغَيرهم من الْحفاظ .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَانَ ضَعِيفا،كثير الْخَطَأ، (وَوهم) فِي إِسْنَاده،وَخَالفهُ روح بن الْقَاسِم،وسُفْيَان الثَّوْريّ،وَمعمر، (فَرَوَوْه) عَن ابْن الْمُنْكَدر،عَن عبد الله بن [ عَمْرو ] مَوْقُوفا . وَرَوَاهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ،عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر،من قَوْله لم (يُجَاوِزهُ) .