وكان السيوطي والسخاوي من أخص تلامذة الحافظ ابن حجر،إلا أن الإمام السيوطي إمام متفنن في علوم كثيرة؛ فلا ترى فنا من فنون الإسلام ولا ثقافة من الثقافات إلا وللسيوطي -رحمه الله تعالى- فيها مصنفٌ؛ حتى إنه كتب عن الأهرامات،وعجائب الخلق ... إلى غير ذلك من الأمور التي يتوسع فيها حتى في اللغة العربية؛"الأشباه و النظائر"في النحو،والقواعد الشرعية؛"الأشباه والنظائر"،فضلا عن تبحره في علوم السنة والمصنفات الواسعة وكتب المصطلح.
ومعلوم أن الإنسان إذا كان ذا فنون فإنه لا يتقن؛ لأن المتفنن لا يتقن فنا؛ شأنه شأن الحافظ ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-؛ فابن الجوزي كان واسع الثقافة والمعرفة،وله مصنفات في فنون كثيرة؛ فإذا جئنا في علم الحديث -كتخصص-؛ تجد السخاوي -وهو تلميذ الحافظ ابن حجر ممن لازمه زمانا طويلا- أعلمَ بالصناعة الحديثية،وأمهرَ وأتقن من السيوطي لماذا؟
لأن السخاوي تخصص؛ فتجد تحريرات السيوطي في"تدريب الراوي"يذكر في أول الفصل نقولا وينقضها بنقول أخرى في آخره وهذه نماذج كثيرة جدا موجودة في الكتب.
أما تحريرات السخاوي في"فتح المغيث شرح ألفية علوم الحديث"للحافظ العراقي تراها محررة جدا،وكلام السخاوي على الأحاديث في"المقاصد الحسنة"-كما سنرى- مختصر ولكنه محرر وبالغ الأهمية فكلامنا لا نقصد به الحطَّ على الإمام -رحمه الله تعالى- لكن هذه طبيعة الحال الذي يتوسع في فنون كثيرة لا يتقن فنا بعينه بخلاف المتخصص الذي شغل همه وزمانه بشيء واحد.
والحافظ ابن حجر -وهو خاتمة حفاظ الدنيا على الإطلاق ولم يأت بعده مثله إلى اليوم- لما كانت عنايته بالحديث أكثر؛ برز فيه وصار خاتمة حفاظ الديار،بخلاف قرينه وهو العينيُّ -رحمه الله تعالى- إمام واسع الثقافة والمعرفة،لكن لما كان اطلاعه على علوم كثيرة؛ جعل الحافظ ابن حجر متقدما عليه في هذه الصنعة بسبب الاختصاص.""
وممن تتبع هذه الأحاديث وأفردها بالتأليف الشيخ أحمد بن محمد الصديق الغماري جمعها في كتاب سماه (المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير. وقد رتب هذه الأحاديث حسب حروف المعجم [1] .
ولكنَّ الغماري أيضًا حكم على أحاديث بالوضع وهي لا تستحق ذلك،نظرا لنزعته المذهبية .
ـــــــــــــــ
شروح هذا الكتاب
1-الكوكب المنير شرح الجامع الصغير للشيخ شمس الدين محمد ابن العلقمي تلميذ المصنف،المتوفي سنة تسع وعشرين وتسعمائة (929) لكن ترك أحاديث بلا شرح لكونها غير محتاجه إليه.
2-الاستدراك النضير على الجامع الصغير للشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد المتبولي الشافعي المتوفي سنة 1003،ذكر فيه أن العلقمي أطال فيما لا يحتاج إليه،واختصر فيما يحتاج،بل ترك أحاديث فقام بشرحها مفصلًا.
3-شرح العزيزي على الجامع الصغير.
4-شرح العلامة نور الدين علي القارى.
5-شرح الأمير الصنعاني اليماني على الجامع الصغير.
6-فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي الشافعي المتوفي سنة 1030. [2]
وقد امتاز هذا الشرح بكثرة الفوائد والفرائد مع الإيجاز في غير خلل،بين فيه مؤلفه مقصود الحديث دون الدخول في الخلافات الفقهية والمذاهب والمسائل النحوية،وتناول الحديث من حيث تخريجه،وبيان حاله من حيث الصحة والضعف أحيانا يكتفي بما ذكره السيوطي في تخريج الحديث،وأحيانا يستدرك عليه،فيزيد أشياء في تخريج الحديث،وأحيانا يقره على تصحيحه أو تحسينه أو تضعيفه،وأحيانا يعترض عليه.
والكتاب مهم في بابه،وهو مطبوع مشهور متداول.
مثال،وفي فيض القدير - (ج 1 / ص 73) :
14 - (آكل) بالمد وضم الكاف قال الزمخشري وحقيقة الأكل تناول الطعام.
(1) - انظر: القول البديع ص 122-125،وطرق تخريج حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ص 39-40.
(2) - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة 1/ 560،561.