فهرس الكتاب
وتقديرها: لَا يقبل النَّجَاسَة،بل يَدْفَعهَا عَن نَفسه،كَمَا يُقال: فلَان لايحمل الضَّيْم،أَي: لَا يقبله،وَلَا يصبر عَلَيْهِ، (بل) يأباه .
وقَالَ النَّوَوِيّ: وَأما قَول بعض المانعين للْعَمَل بالقلتين: إِن مَعْنَاهُ أَنه يَضْعُف عَن حمله . (فخطأ) فَاحش من أوجه:
أَحدهَا: أَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى مصرحة بغلطه،وَهِي قَوْله: «لم ينجس» .
الثَّانِي: أَن الضعْف عَن الْحمل إِنَّمَا يكون فِي الْأَجْسَام،كَقَوْلِك: فلانٌ لايحمل الْخَشَبَة،أَي: يعجز عَنْهَا لثقلها . وَأما فِي الْمعَانِي فَمَعْنَاه: لَا يقبله،كَمَا ذكرنَا .
ثَالِثهَا: أنَّ سِيَاق الْكَلَام يُفْسِدهُ ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد: أَنه يضعف عَن حمله،لم يكن للتَّقْيِيد بالقلتين مَعْنَى،فإنَّ مَا دونهَا أولَى بذلك .
فَإِن قيل: هَذَا الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بالإِجماع فِي الْمُتَغَيّر بِنَجَاسَة ؟
فَالْجَوَاب: أَنه عَام،خص مِنْهُ الْمُتَغَيّر بِالنَّجَاسَةِ،فَيَبْقَى الْبَاقِي (عَلَى) عُمُومه،كَمَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ .
فإنْ قيل: هَذَا الحَدِيث (يحمل) عَلَى الْجَارِي .
فَالْجَوَاب: أَن الحَدِيث يتَنَاوَل الْجَارِي والراكد،فَلَا يَصح تَخْصِيصه بِلَا دَلِيل .""
ومثال العلة التي لا تندفع: حديث: «المَاءُ طَهُورٌ لا يُنجسه شيء, إلاَّ ما غيَّر طَعْمه, أو لَوْنه, أو ريحه» . فقد اتفق العلماء على أنه حديث ضعيف بهذه الزيادة،وإليك التفصيل،قال ابن الملقن رحمه الله [1] :
"رُوي أَنه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «خَلَقَ اللهُ الماءَ طهُورا،لَا يُنَجِّسُهُ شيءٌ،إلاَّ مَا غَيَّر طعمه،أَو رِيحه» ."
اعْلَم: أَن صدر هَذَا الحديثَ صحيحٌ،كَمَا تقدم الْآن من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ السَّابِق،وَلم أرَ فِيهِ لفظ: «خلق الله» ،فَتنبه لَهُ،وَرُوِيَ أَيْضا من طُرُق أُخر:
فأولها: عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه،قَالَ: «انتهينا إِلَى غَدِير،فَإِذا فِيهِ جيفة حمَار،قَالَ: فَكَفَفْنَا عَنهُ،حتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ: إنَّ الماءَ لَا يُنجسهُ شيءٌ فاستقينا وحملنا» . [2] رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الصَّحِيح،لَوْلَا (طريف) بن شهَاب السَّعْدِيّ،فإنَّه واهٍ مَتْرُوك عِنْدهم،حتَّى قَالَ فِيهِ ابْن حبَان: إِنَّه كَانَ (مغفلًا،يَهِمُ) فِي الْأَخْبَار،حتَّى يقلبها،ويروي عَن الثِّقَات مَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات .
لَكِن يَقع فِي بعض نسخه (بدله) طَارق بن شهَاب،فإنْ صَحَّ - مَعَ بعده - فَهُوَ الأحمسي،صَحَابِيّ،فَيصح السَّنَد .
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «المَاء لايُنَجِّسُهُ شَيْء» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ،وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ،وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث: سماك بن حَرْب،عَن عِكْرِمَة،عَنهُ .
وَرَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة،مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» كَذَلِك،لَكِن لَفظه: عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أَرَادَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَن يتَوَضَّأ،فَقَالَت امْرَأَة من نِسَائِهِ: يَا رَسُول الله قد توضَّأتُ من هَذَا . فَتَوَضَّأ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - ،وَقَالَ: المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء» .
(1) - البدر المنير - (ج 1 / ص 393) فما بعدها
(2) - سنن ابن ماجه (562)