وكذلك تجدُ أن أعرف الناس بـ (المستدرك) للحاكم هو الذهبي -الذي اختصره-،وهو الذي تعقب الحاكم في مرّات بألفاظ لاذعة وشديدة جدًا،لمّا صحح بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة،مع ذلك قال الذهبي في تصحيح الحاكم العبارة السابقة،وهي:"وإن صَحَّحَ له كالدارقطنيِّ والحاكم،فأقلُّ أحوالهِ: حُسْنُ حديثه" [1] .
وكذلك الذهبي انتقد الترمذي بالتساهل،وقال فيه -كما سبق-:"وإن صَحَّح له مثلُ الترمذيِّ وابنِ خزيمة فجيِّدُ أيضًا".
كما أن هذا المنهج الخاطئ يقتضي وصف الأئمة والعلماء بعدم العلم ؛ لأنك لو قلت: فلان لا يقبل توثيقه،فمعنى ذلك أنك أهدرت أحكامه،والأحكام لا تهدر إلا لمن كان الغالب عليه الخطأ،أما من كان عالمًا فتكون غالب أحكامه صواب،ويجب عليك قبول أحكامه،إلا إذا جاء ما يدلّ على أنه خالف الصواب .
فائدة وصف العلماء بالتشدد والتساهل والاعتدال عند التعارض،فلو أن جارحًا متشددًا وصف راويًا بأنه ضعيف،ووصفه معتدل بأنه صدوق،ووثقه متساهل،فيصبح الصواب أنه صدوق .
الثالث: التنبيه إلى أن كثيرًا من ألفاظ الجرح والتعديل غير محررة المعاني:
فمثلًا: قول الإمام البخاري في الراوي"فيه نظر"،معناه: أنه شديد الضعف،وذكر ذلك الذهبي وابن كثير وغيرهم،وأثبتت الدراسة الاستقرائية لأحد الدارسين،الذي استقصى لفظ البخاري"فيه نظر"،وخرج بأنه يقصد بها: الضعف الخفيف،وأيّد هذه الدراسة بأقوال أئمة ثلاثة،أوّلهم الترمذي،فقد نقل عن شيخه البخاري قوله في راوٍ"فيه نظر"فقال الترمذي مُعبّرًا عن ذلك:"فلم يجزم فيه بشئ"،ففهم الترمذي من عبارة"فيه نظر"أن البخاري متردد،والرواة الذين يستحقون التردد هم من كان في آخر مراتب الحسن،وأعلى مراتب الضعف . والثاني: ابن عدي،في كتابه (الكامل) -في أكثر من موضع- حيث يفهم من كلام البخاري"فيه نظر"أنه ضعف خفيف .
وآخر هؤلاء هو الحافظ ابن حجر،حيث ذكر هذه القضية عَرَضًا في كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون) ،فقال:"قال البخاري: فيه نظر،وهذه عبارته فيمن يكون وسطًا"،أي بين القبول والردّ،وهذا هو الصحيح . [2]
الرابع: التنبيه إلى أن عبارات الأئمة المتقدمين ليست دائمًا متقيدة بالمراتب:
ولكنهم يتوسعون في التعبير على الرواة،فقد يُسئل الإمام عن الراوي،فيهتم ببيان أنه مقبول الرواية أو لا،دون أن يعتني بتفصيل الحكم،ومما يدل على صحة هذا الكلام،أنه إذا سئل الإمام عن راويين أحدهما أوثق من الآخر تجده يقول: الحُجْةُ سفيان الثوري وفلان وفلان،وهذا -أي الآخر- ثقة . فهنا يبين الفرق بين لفظ حجة،ولفظ ثقة،لكن إذا سئل مُفردًا،فقد يجيب بجواب عام لا يقصد به التقيد بمرتبة معينة .
وهنا أمر آخر يدّلُ على أنه قد يحصل نوع من التوسع،أن الصحيح في أول من استخدم"الحسن"بالمعنى الاصطلاحي هو الإمام الترمذي.اهـ
قلت: وهذا غير مسلَّم ،إذ أنَّ إطلاق الحسَن على الحديث وعلى الراوي أيضا واردٌ على لسان عدد من العلماء السابقين للإمام الترمذي من طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه ،بل ورد هذا الإطلاق على لسان الإمام أحمد نفسه، قال الحافظ ابن حجر في نكته على مقدمة ابن الصلاح:"وأمَّا علي بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة وبالحسن في مسندهِ وفي علله،وظاهرُ عبارته قصدُ المعنى الاصطلاحي،وكأنهُ الإمام السابقُ لهذا الاصطلاح،وعنه أخذ البخاريُّ ويعقوب بن شيبة وغيرُ واحد ،وعن البخاريِّ أخذَ الترمذيُّ".النكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 144و426 )
ولهذا قال ابن الصلاح:"ويوجدُ -أي التعبير بالحسن الاصطلاحي- في متفرقاتٍ من كلام مشايخ الترمذي ،والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما"مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 5)
(1) - الموقظة في علم مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 17)
(2) - قلت: وقد نبهت على ذلك قبل قليل