وقد عبَّر الإمامُ أحمد بالحسن عما هو حسن اصطلاحًا ،فقد قال في ابن إسحاق -صاحب المغازي - حسَنُ الحديث كما في الميزان للذهبي 3/469،ولم يردْ أنه ثقةُ الحديث بدليل ما قاله فيه:هو كثير التدليس جدا ،قيل له فإذا قال أخبرني وحدثني فهو ثقة ؟ قال:"هو يقول ( أخبرني ) ويخالف"،وظاهرٌ أنَّ هذا الكلام لا يقوله الإمام أحمد فيمن يعتبرهُ ثقةً صحيحَ الحديثِ.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سألت أحمد , يعني ابن حنبل , عن حارثة بن مضرب . فقال: هو حسن الحديث. ((الجرح والتعديل ) ) 3/ (1137) .
وقال أبو داود: سمعت أحمد . قال: زيد بن أبي أنيسة , ليس به بأس. ((سؤالاته ) ) (324) .
وقال أحمد بن محمد بن هانىء: قلت لأبي عبد الله: زيد بن أبي أنيسة كيف هو عندك ؟ فقال: إن حديثه لحسن مقارب , وإن فيها لبعض النكارة ،وهو على ذلك حسن الحديث. ((ضعفاء العقيلي ) ) (519) .
قال الميموني: حدثنا أحمد. قال: حدثنا وكيع. قال: حدثنا سعيد بن السائب،حسن الحديث. ((سؤالاته ) ) (501) .اهـ
ولكن لو قيل: إن أول من عرف الحديث الحسن لغيره وأبرزه وأكثر منه هو الإمام الترمذي لكان هذا القول هو الصواب ، لأن تعريف الحسن لذاته لم يعرف قبل الخطابي ، وهو متأخر عن الترمذي كثيرا .
بل حتى استخدام الترمذي للحسن بالمعنى الاصطلاحي يحتاج إلى مزيد دراسة وبحث وتثبت من مُراد الترمذي بالحسن،الذي عرّفه في كتابه (العلل الصغير) ،إلا أن العلماء اختلفوا في تفسير تعريفه،وهنا يُلاحظ مدى بعدنا عن فهم كلام الأئمة المتقدمين،فهذا إمام عرّف المصطلح،ومع ذلك اختلف العلماء في فهم التعريف،فكيف بالمصطلحات التي لم تُعرّف أصلًا .
فالمقصود أنه اختلف العلماء في تفسير الحديث الحسن،ولازال الاختلاف قائمًا،وتجد تفسير ابن رجب مخالفٌ لتفسير ابن حجر،ومخالفٌ أيضًا للتفسير الذي ذكره ابن كثير،ومخالفٌ أيضًا للتفسير الذي ذكره الذهبي،حتى قال الذهبي في (الموقظة) :"أنا على إياسٍ أن أحدُّ تعريفًا مكتملًا للحديث الحسن".
أمرٌ آخر قد يدلُّ على معاني المصطلحات وألفاظ الجرح والتعديل وهو السياق،أي سياق العبارة،ومن هنا نتنبه إلى ضرورة الرجوع إلى الكتب الأصلية،التي ساقت ألفاظ الجرح والتعديل،فلا يصحُّ أن نكتفي بـ (تهذيب التهذيب) فقط ؛ لأن الحافظ ابن حجر يذكر العبارة الخاصة بالراوي فقط،مع أنك لو رجعت إلى الكتاب الأصلي،قد تجده ذكر هذه العبارة في سياقٍ معيّن يدلُّ على مُراد الإمام،كما لو قُرِنَ الراوي خفيف الضعف براوٍ كذاب،فسئل عنهما الإمام،فيقول: فلان صالح،ليس كفلان الكذاب . وهو لا يقصد بـ"صالح"أنه يُحسّنُ حديثه،لكن لما قُرِنَ بالكذاب،رأى أنه من الظلم أن يُقرن بينهما،وكأنهما في مرتبة واحدة،وأن الواجب التفريق بين هذين الراويين،فيأتي الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) فيقول:"قال يحيى بن معين: فلان صالح". فإذا رجعت إلى الكتاب الأصلي وجدت أن ابن معين ذكر هذا في سياق معيّن .وهناك سياق آخر،ويحصل كثيرًا في مثل كتاب (تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين) ،حيث ذكر في مقدمة الكتاب طبقات الرواة عن شيّخ معيّن،فيسأله عن أوثق الرواة عن شعبة،فيقول: أوثقهم فلان وفلان وفلان،فيقول: ثمَّ من ؟،فيقول: ثم فلان وفلان،ثم يسأله عنهم،فيقول: فلان ثقة وفلان ضعيف،وهو من عبارته توثيق الراوي في هذا الشيخ،وتضعيفه في هذا الشيخ،أي أنه في روايته عن شعبة ضعيف . ثم يأتون في كتب المصطلح أو بعض كتب التراجم فيقولون:"قال يحيى بن معين: ضعيف"،وكأنه أطلق العبارة مع أنه ذكرها في سياق مراتب الرواة في هذا الشيخ المعيّن،فهذا يدلُّ على أهمية الرجوع إلى الكتب الأصلية في الجرح والتعديل،ولا يُكتفى بالفرعية ما أمكن ذلك .