فهرس الكتاب
قلت: لم يتفرد همام بِهِ ،وَكَأن الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ تبع فِي ذَلِك مقَالَة أبي دَاوُد الَّتِي قدمناها عَنهُ ،قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : تَابعه عَلَيْهِ يَحْيَى بن الضريس ،عَن ابْن جريج . وَيَحْيَى بن الضريس ثِقَة ،وَتَابعه أَيْضا يَحْيَى بن المتَوَكل وَهُوَ ثِقَة - كَمَا سَيَأْتِي - فعلَى هَذَا انْتَفَى دَعْوَى التِّرْمِذِيّ غرابته . ويرجح مَا جنح إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ من تَصْحِيحه أَيْضا مَا قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» وَهُوَ ضعف الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى وهم همام ؛ فَإِن انْتِقَال الذِّهْن من قَوْلنَا: «اتخذ خَاتمًا من ورق ثمَّ أَلْقَاهُ» إِلَى قَوْله: «كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه» لَا يكون إِلَّا عَن غَفلَة شَدِيدَة لَا يحْتَمل (مثل) همام مثلهَا ،نعم فِي رِوَايَة هدبة [ بن ] خَالِد ،عَن همام: وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس ،وَهَذِه عبارَة تشعر بِعَدَمِ تَيَقّن ،فَإِن كَانَ قَائِل هَذَا الْكَلَام (هُوَ) هدبة فَلَا يضر ،وَإِن كَانَ هُوَ همام فقد يضم إِلَى مُخَالفَة الْجُمْهُور لَهُ ويوقع شَيْئا فِي الْوَهم ،وَعَلَى الْجُمْلَة فالجاري عَلَى قَوَاعِد الْفِقْه وَالْأُصُول قبُول رِوَايَة الثِّقَة فِي مثل هَذَا ،مَعَ أَن لَهُ شَاهدا من رِوَايَة يَعْقُوب بن كَعْب الْأَنْطَاكِي ،عَن يَحْيَى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ ،عَن ابْن جريج ،عَن الزُّهْرِيّ ،عَن أنس «أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لبس خَاتمًا نقشه: مُحَمَّد رَسُول الله . فَكَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وَضعه» . أخرجه الْبَيْهَقِيّ ،وَقَالَ: هَذَا شَاهد ضَعِيف .
قلت: (فِيهِ) نظر إِذْ لَيْسَ فِي إِسْنَاده من تكلم فِيهِ ،وَيَحْيَى بن المتَوَكل لَا أعلم فِيهِ إِلَّا قَول ابْن حبَان: إِنَّه يُخطئ . وَصَححهُ الْحَاكِم من طَرِيقه - كَمَا سَيَأْتِي - وَلَيْسَ هَذَا بِيَحْيَى بن المتَوَكل الَّذِي (يُقَال) لَهُ أَبُو عقيل ،ذَاك ضَعِيف كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن الْمُبَارك وَأحمد [ و ] ابْن الْمَدِينِيّ وَابْن معِين وَغَيرهم ،وَقد فرق بَينهمَا الْمزي وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ .
وَله شَاهد ثَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس «أَن نَبِي الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء نزع خَاتمه» رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الجوزقاني فِي كتاب «الموضوعات» رادًّا بِهِ عَلَى حَدِيث عَلّي الَّذِي سأذكره آخر الْبَاب من حَدِيث (أبي) مُعَاوِيَة ،عَن الْأَعْمَش ،عَن الْمنْهَال (بن عَمْرو) ،عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ .
وَقد صحّح الحَدِيث الْمَذْكُور مَعَ التِّرْمِذِيّ إمامان جليلان ،أَحدهمَا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» فَإِنَّهُ أخرجه بعد أَن ترْجم «الْخَبَر الدَّال عَلَى نفي إجَازَة دُخُول الْخَلَاء بِشَيْء فِيهِ ذكر الله» عَن عمرَان بن مُوسَى بن مجاشع ،ثَنَا هدبة بن خَالِد ،ثَنَا همام بن يَحْيَى ،عَن ابْن جريج ،عَن الزُّهْرِيّ ،عَن أنس «أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه» .
ثمَّ قَالَ: ذكر السَّبَب الَّذِي (من أَجله) كَانَ يضع (خَاتمه عِنْد دُخُول الْخَلَاء ،أَنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي [ عون ] ثَنَا أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ ،ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ،ثَنَا أبي ،عَن ثُمَامَة ،عَن أنس قَالَ: «كَانَ نقش خَاتم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ثَلَاث أسطر: مُحَمَّد سطر ،وَرَسُول سطر ،وَالله سطر» .