أَحدهَا: أَنه رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ أَرْبَعَة أنفس ؛ أحدهم: سُلَيْمَان بن مُوسَى ،وَرَوَى عَن عروةَ ثَلَاثَة ؛ أحدهم: الزُّهْرِيّ ؛ فَلَا يَصح إِضَافَة إِنْكَاره إِلَى الزهْري مَعَ هَذَا الْعدَد ،وَلَو صَحَّ إِنْكَاره لَهُ لما أثر فِيهِ مَعَ رِوَايَة غير الزُّهْرِيّ لَهُ عَن عُرْوَة .
ثَانِيهَا: أَن الزُّهْرِيّ أنكر سُلَيْمَان بن مُوسَى وَقَالَ: لَا أعرفهُ ،وَإِلَّا فَالْحَدِيث أشهر من) أَن يُنكره الزُّهْرِيّ وَلَا يعرفهُ وَلَيْسَ جهل (الْمُحدث) بالراوي عَنهُ مَانِعا من قبُول رِوَايَته عَنهُ ،وَلَيْسَ اسْتِدَامَة ذكره شرطا فِي صِحَة حَدِيثه .
قلت: لَكِن سُلَيْمَان مَعْرُوف كَمَا مر .
ثَالِثهَا: أَنه لَا اعْتِبَار بإنكار الْمُحدث للْحَدِيث بعد رِوَايَته وَلَيْسَ اسْتِدَامَة ذكره شرطا فِي صِحَة حَدِيثه . ثمَّ ذكر قصَّة ربيعَة فِي حَدِيث (ابْن عَبَّاس) فِي الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد ،وَسَيَأْتِي - إِن شَاءَ الله - هُنَاكَ .
وَقَول الْمَاوَرْدِيّ: لَا اعْتِبَار بإنكار الْمُحدث أطلقهُ ،وَقد قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره: إِذا كذَّب الأَصْلُ الفَرْعَ سَقَطَ كِكَذِبِ وَاحِدٍ غيرِ مُعيَّنٍ . وَلَا يقْدَح فِي عدالتهما ؛ فَإِن قَالَ: لَا أَدْرِي ،فالأكثر يعْمل بِهِ خلافًا لبَعض الْحَنَفِيَّة ،وَلأَحْمَد رِوَايَتَانِ ،وَمحل الْخَوْض فِي الْمَسْأَلَة عُلُوم الحَدِيث أَيْضا ،وَقد أوضحناها فِي مختصري لكتاب ابْن الصّلاح الْجَامِع بَين عُيوُبه وَالزِّيَادَة الْمُهِمَّات عَلَيْهِ ،وَحَاصِل كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْحفاظ الَّذين أطلنا ذكرهم - وَهُوَ من الْمُهِمَّات - صِحَّته والاحتجاج بِهِ ،لَا جرم ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» وَعَزاهُ إِلَى أبي دَاوُد وَحده ،قَالَ: وَبَعْضهمْ يعله بِمَا خُولِفَ فِي تَأْثِيره . وَاعْترض بَعضهم بِوَجْه آخر ،فَقَالَ: قد صحَّ عَن عَائِشَة «أَنَّهَا أنكحت بنت أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن وَهُوَ مُسَافر بِالشَّام قريب (الأوبه) بِغَيْر إِذْنه ؛ بل أنكر إِذْ بلغه» فَلم تَرَ عَائِشَة ذَلِك مُبْطلًا لما وَقع ؛ بل قَالَت للَّذي زَوجهَا مِنْهُ - وَهُوَ الْمُنْذر بن الزبير -: «اجْعَل أمرهَا إِلَيْهِ . فَفعل فأنفذه عبد الرَّحْمَن» وبوجه آخر وَهُوَ أَن الزُّهْرِيّ رَاوِي هَذَا الحَدِيث أفتَى بِخِلَاف ذَلِك .
فروَى عبد الرَّزَّاق عَن معمر أَنه قَالَ: (سَأَلت) الزُّهْرِيّ ،عَن الرجل يتَزَوَّج بِغَيْر إِذن ولي ،فَقَالَ: إِن كَانَ كُفؤًا لَهَا لم يفرق بَينهمَا .
وَالْجَوَاب عَن الأول: أَنه قد تقرر أَن الْعَمَل بِمَا رَوَاهُ الرَّاوِي لَا بِمَا رَآهُ ،كَيفَ وَقد رَوَى الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهَا أَنَّهَا أنكحت رجلا من بني أَخِيهَا جَارِيَة من بني أَخِيهَا فَضربت بَينهُنَّ سترا ،ثمَّ تَكَلَّمت حَتَّى إِذا لم يبْق إلاّ النِّكَاح أمرت رجلا (فأنكح) ثمَّ قَالَت: «لَيْسَ إِلَى النِّسَاء النِّكَاح»
وَعَن الثَّانِي: أَنه مُخْتَلف عَلَيْهِ فِيهِ ،وَالْعَمَل بِمَا رَوَاهُ لَا بِمَا (رَآهُ) .اهـ