قد تأتي حالة لا أستطيع أن أوهّم فيها الرواة عن الشيخ،كأن أجد أن كل وجه من الوجوه اتفق على روايته عددٌ من الثقات،فاتفاق هؤلاء الثقات على رواية هذا الوجه يُبعد احتمال أن يكونوا جميعًا أخطأوا على هذا الشيخ،وكذلك الثقات الآخرون الذين رووا الوجه الآخر وغيرهم على وجه ثالث،فعندها أنظر إن كان هذا الراوي المُختلف عليه إمامٌ واسع الرواية يُحتمل أن يكون هذا الحديث عنده من جميع هذه الوجوه ؛ لأنه حافظ وشيوخه كثيرون،فتكون هذه الروايات عنه صحيحة،لكن إذا كان الراوي المُختلف عليه صدوق في ضبطه شئ،فيعتبر النقاد اختلاف الوجوه عنه دليل على اضطراب حفظه،فإما أن نجد قرينة من غير الروايات عنه تُرَجِحُ أحد هذه الوجوه أو يقول النقاد:"هذا حديث مضطرب،لم يُعرف الصواب فيه". فإذا وجدنا ما يدل على صحة أحد هذه الوجوه من دليل خارجي،غير روايات هذا الرجل حكمنا به،وإن لم نجد: نحكم بالإضطراب على هذه الرواية .
كما في البدر المنير - (ج 2 / ص 412) الحَدِيث الرَّابِع -عَن جَابر رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ،رَوَاهُ الْأَئِمَّة من حَدِيث (عَلّي) بن عَيَّاش - بالشين الْمُعْجَمَة - ثَنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة ،عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ،عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ .
(رَوَاهُ) كَذَلِك أَبُو دَاوُد (عَن) مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ ،عَن عَلّي بِهِ ،إِلَّا أَنه قَالَ: «غيرت» بدل «مست» .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه الْكَبِير وَالصَّغِير» عَن عَمْرو بن مَنْصُور ،عَن عَلّي بِهِ بِاللَّفْظِ الأول الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ .
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن ابْن خُزَيْمَة إِمَام الْأَئِمَّة ،عَن مُوسَى بن سهل الْمَذْكُور أَولا . وبلفظ النَّسَائِيّ ،ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِي «صَحِيح ابْن خُزَيْمَة» كَمَا رَوَاهُ ابْن حبَان عَنهُ .
قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا اخْتِصَار من الحَدِيث الأول ؛ يَعْنِي من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ،عَن جَابر حَيْثُ «قَرَّب للنَّبِي (خبْزًا وَلَحْمًا فَأكل ،ثمَّ دَعَا بِوضُوء فتوضَّأ(ثمَّ صَلَّى) الظّهْر ،ثمَّ دَعَا بِفضل طَعَامه فَأكل ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَلم يتَوَضَّأ) .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث يَعْنِي: حَدِيث «ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب الْمَتْن ؛ إِنَّمَا هُوَ «أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أكل كَتفًا وَلم يتَوَضَّأ» كَذَا رَوَاهُ الثِّقَات ،عَن ابْن الْمُنْكَدر ،عَن جَابر ؛ وَيُمكن أَن يكون شُعَيْب حدث بِهِ من حفظه فَوَهم فِيهِ ،وَقَالَ فِي مَوضِع آخر إِنَّمَا هُوَ «أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أكل كَتفًا ثمَّ صَلَّى وَلم يتَوَضَّأ» .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي كِتَابه «الإِمَام» : الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد أقرب مِمَّا قَالَه أَبُو حَاتِم ؛ فَإِن المتنين متباعدي اللَّفْظ (أَعنِي) قَوْله: «آخر الْأَمريْنِ» وَقَوله: «أكل كَتفًا ثمَّ صَلَّى وَلم يتَوَضَّأ» وَلَا يجوز التَّعْبِير بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر (والانتقال) من أَحدهمَا إِلَى الآخر ؛ إِنَّمَا يكون عَن غَفلَة شَدِيدَة ،وَأما مَا ذكره أَبُو دَاوُد من (أَنه) اخْتِصَار من حَدِيثه الأول (فأقرب) لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون (قد) عبَّر بِهَذِهِ الْعبارَة عَن مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى .