العدالة والضبط تعرف من كتب الجرح والتعديل،هذه يُرجع إليها في كتب الجرح والتعديل،وهذه تحتاج إلى نظر في أشياء أخرى،فهناك كتب في المراسيل مثل مراسيل العلائي،وهو من أجمع الكتب المدونة في المراسيل،والتدليس هناك"طبقات المدلسين"للحافظ ابن حجر تُبين الراوي في أي مرتبة يكون؛ لأن التدليس خمس مراتب؛ مرتبة أولى وثانية معفيٌّ عنهما مع تفاوت بين الأولى والثانية،ومن الثالثة للخامسة فيهم قيود،والثالثة لا بد من تصريح الراوي بالسماع في جميع طبقات الإسناد وهو تدليس التسوية،والرابعة والخامسة يَنْضَمُّ إلى التدليس آفاتٌ أخرى في الراوي.
إذن المرتبة الأولى والثانية مقبولتان،والثالثة بقيود،والرابعة والخامسة مطروحتان في طبقات المدلسين.
والإعضال يُعرف أيضا من كتب المراسيل،وكذلك الانقطاع والتعليق.
فلو أن عندي إسنادا سأدرسه فلكي أَتَيَّقَنَّ أن هذا الإسناد صحيحٌ؛ لا بد من المرور على هذه الشروط الخمسة قبل الدخول في الكلام على المتن،أتأكد من عدالة الراوي وضبطه،واتصاله،وانتفاء الشذوذ،وانتفاء العلة.
ونمثل لذلك بمثال هذا المثال هو إخراج التراجم لرجال إسنادٍ من"سنن النسائيّ"عمليا وهو: قال النسائي: (3773 ) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ح وَأَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ فِى خُطْبَتِهِ: « لاَ يَجُوزُ لاِمْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا » .
هو لم يخطب بهذا فقط،وإنما تكلم على الديات،والعقل،وغيرهما من الأحكام الشرعية لكنَّ النسائيَّ اقتصر -هنا- في هذه الرواية على مسألةٍ أن المرأة لا تُعطي عطية أي هدية لأحد إلا بإذن زوجها،هذا لا يعنينا الآن،وإنما الذي يعنينا هو النظر في حال هذا الإسناد. كيف نستطيع التعرف على رواة هذا الإسناد من خلال دراستنا التي مضت في الكلام على كتب الرجال؟!
الحديث أساسا من النسائي،والنسائي أحد رواة الكتب الستة.
معنى هذا الكلام أن رجال هذا الإسناد كلَّهم في"تهذيب الكمال"وأصوله وفروعه؛ أي هم في كتاب"الكمال"لعبد الغني المقدسي،وموجودون في"تهذيب الكمال"في"تذهيب التهذيب"و"الكاشف"كلاهما للذهبي،و"تقريب التهذيب""وكتاب الخزرجي"هؤلاء الرواة موجودون في كل هذه الكتب إما على وجه الاختصار،أو على وجه التوسط،أو على وجه التوسع جدًّا.
إذا أردنا استخراج ترجمة إسماعيل بن مسعود؟
نذهب إلى كتاب"تهذيب الكمال"أو أحد الكتب التي تكلمنا عليها حرف الألف مع السين من اسمه إسماعيل ستجد عندك تقريبا ستة اسمهم إسماعيل،لكن ليس كلهم إسماعيل بن مسعود،ويتبقى عندنا اثنان إسماعيل بن مسعود.
إذا كان عندي اثنان إسماعيل بن مسعود؛ فالراوي الذي أمامي أيهما الْمُراد؟!
أحدهما إسماعيل بن مسعود الجحدري،والآخر إسماعيل بن مسعود الزُّرقي تمام،ما هي القرائن من خلال الدراسة التي ترشح الراوي الذي أمامنا ؟
ربما يسأل شخصٌ ما ويقول: ما حالهما جرحا وتعديلا؟
تقول له: كلاهما ثقة.
يقول لك: اختر واحدا منهما. لكن هذا علم مبنيٌّ على أسس وعلى قواعد.
وكان بعض المعلمين يقول: طالما الرواة كلهم ثقات اختر أحدهما،وهذا لا يصلح؛ لأن تعيين الرواة مبنيٌّ على دقَّةٍ متناهية عند أهل العلم.