فهرس الكتاب

الصفحة 677 من 701

فهناك فرق كبير بين قولنا عن الحديث صحيح أو حسن،وبين قولنا إسناده صحيح أو إسناده حسن،فربما يوجد حديث آخر يعارضه في معناه،وسنده أقوى فيكون الحديث الذي حكم عليه بالصحة شاذًا،أو ربما اكتشف في الحديث علة غامضة،لم يستطع الباحث اكتشافها"."

أقول هذا الكلام يعني تقوية قلوب إخوانا الدارسين أنت فقط عليك أن تفهم كلام أهل العلم،وأنا أجزم جزمًا يقينيًّا أنه ما من حديث في كتب السنَّة إلا وللأئمة عليه كلام،إما مباشرة،وإما بالكلام على رواة هذا الحديث،لكن هذا إنما يُكتشف مع الصبر،لن تعدم فائدة وكلامًا لأهل العلم إلا بالصبر، ويكون بالقرائن الموجودة في كلام أهل العلم،فأنت اصبر في البحث،ولن تعدم كلامًا لأهل العلم الكبار في القرن الثاني والثالث،لن تعدم لأحدهم كلامًا على الحديث،إما مباشرة بتصحيحه أو تضعيفه،وإما على الراوي الذي روى هذا الحديث بتجريحه أو بتوثيقه،فانقل كلام أهل العلم لكن بتأني.

قلت: وبالنسبة لقوله عن الحديث ضعيف ربما وجد له تابع أو شاهد لفظا ومعنى يقويه،ويجبره فيرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره.

فالأولى في حق الباحث إذن أن يقول في نهاية بحثه عن الحديث: صحيح الإسناد،أو حسن الإسناد،أو ضعيف الإسناد، هذا إذا لم يكن قد حكم على الحديث سابقًا .

فلعلك بعد فترة من الزمن تعيد النظر في كتابك فتجد للحديث طرقًا لم تقف عليها أثناء بحثك،أو تكتشف في الحديث علة،أو كنت ضعفت الحديث فوجدت له بعد ذلك تابعًا قويًّا فيقوي الحديث أو شاهد يقويه،إلى غير ذلك من وسائل المراجعات التي يرجع فيها أهل العلم أخذًا ونظرًا خاصة وأن هذا علم لا تجد من يوقفك على وسائل تعلُّمه مرحلة مرحلة،والأفضل لطالب العلم أن لا يجزم بتصحيح أو تضعيف بل يقول: صحيح الإسناد،حسن الإسناد،ضعيف الإسناد ونحو ذلك،حتى يتسنَّى له الرجوع بعد ذلك فيحكم على الحديث قطعيًّا بالصحة أو بالضعف،لكن الموجود في هوامش الكتب هذا فيه من الخطأ الكثير جدًّا.

وقد فعل هذا كثير من الأئمة السابقين منهم: الحاكم أبو عبد الله،والحافظ الهيثمي في"مجمع الزوائد"وغيرهما،والظاهر أن الوقت لم يسعفهم ليكملوا النظر في كشف الشذوذ والعلة،فتحرجوا من القول بأنه صحيح أو حسن..

فالحافظ الهيثمي كان زوج بنت الحافظ العراقي،ولازمه أكثر من عشر سنوات،وهو الذي سافر بالولي العراقي أحمد الذي هو أبو زرعة بن الحافظ العراقي سافر به إلى دمشق ليسمع من الْمِزِّي وعلماء الشام في ذلك الزمان،فتخيل مثلًا الهيثمي كان ملازما عشر سنوات أو أكثر وهو زوج بنته،يعني ظل يدخل ويخرج عليه في كل وقت بلا تحرج،ومع ذلك كان يسعه أن يقول: صحيح،فالجهد الذي بذله الهيثمي في"مجمع الزوائد"جهد جبار،يعني عشرة مجلدات فيه ما يزيد على ثمانية عشر ألف رواية،فلا بد أن يقع الوهم وإن كان قليلًا،لكن على أية حال الاحتياط واجب،والطالب لا يتجاسر على الحكم على الأحاديث صحة وضعفًا،وهو بعد لم يتأهل،كثير من المعاصرين الذين ألَّفوا ندِموا على أنهم أخرجوا كتبهم قبل تحريرها،هو يحتاج إلى أن يرجع،ويحتاج إلى أن يعيد النظر،إذا سألت الشيخ عما قاله على حديث كذا في كتاب كذا.. يقول هذا والله هذا أنا راجع عنه،يعني أحتاج إلى إعادة نظر في الكتاب كله،لأنه عندما أخرج هذا الكتاب وله من السنِّ ثلاثين سنة أو أقل أو أكثر،وبعد عشرين سنة من النظر والتأمل رأى أن هذا الكلام ما كان ينبغي أن يخرجَ أصلًا،ولا أقول هذا الكلام من باب أن الناس تكفُّ عن الدرس.. لا،ولكن مع التأني والصبر وعدم التعجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت