فهرس الكتاب
وَأما أَبُو وَاقد فقد قَالَ أَحْمد فِيهِ: مَا أرَى بِهِ بَأْسا . فَلَعَلَّ ذَلِك يَقْتَضِي أَن يُتَابع بروايته،وَأما (جَهَالَة) بعض رُوَاته فَلَا يقْدَح فِيمَا صَحَّ مِنْهُمَا ؛ فقد ظهر صِحَة بعض طرقه وَحسن بَعْضهَا ومتابعة الْبَاقِي لَهَا،فَلَا يخْفَى إِذا مَا فِي إِطْلَاق الضعْف عَلَيْهَا،وَإِن الْأَصَح الْوَقْف،وَقد علم أَيْضا مَا يعْمل عِنْد اجْتِمَاع الرّفْع وَالْوَقْف وشهرة الْخلاف (فِيهِ) ،وَقد نقل الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا فِي «حاويه» عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه خرج لصِحَّة هَذَا الحَدِيث مائَة وَعشْرين طَرِيقا،فَأَقل أَحْوَاله (إِذا) أَن يكون حسنا .
تَنْبِيه: اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ أورد هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ «الْمس» دون «الْحمل» فَقَالَ: رُوِيَ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «من غسل مَيتا فليغتسل،وَمن مَسّه فَليَتَوَضَّأ» . وَلم أَقف عَلَى لفظ «الْمس» فِي رِوَايَة بعد الفحص عَنهُ،وَإِنَّمَا هُوَ بِلَفْظ «الْحمل» بدله،وَكَذَا أوردهُ هُوَ - أَعنِي: الرَّافِعِيّ - فِي كِتَابه «الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة» نعم كَلَام الشَّافِعِي السالف (دَال) عَلَى وُرُوده فِيهِ ؛ إِذْ قَالَ: فَإِن وجدت مَا يقنعني (أوجبته) وأوجبت الْوضُوء من مس الْمَيِّت ؛ فَإِنَّهُمَا فِي حَدِيث وَاحِد . وَكَذَا قَول الْمُزنِيّ أَيْضا: الْغسْل من غسل الْمَيِّت غير مَشْرُوع،وَكَذَا الْوضُوء من مس الْمَيِّت وَحمله ؛ لِأَنَّهُ لم يَصح فِيهَا شَيْء دَال عَلَى ذَلِك .
وَقد آن لنا أَن نعود إِلَى الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة الْأَحَادِيث ؛ فَنَقُول: وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث مُصعب بن شيبَة،عَن طلق بن حبيب،عَن عبد الله بن الزبير،عَن عَائِشَة (رَضي اللهُ عَنها أَنَّهَا حدثته) «أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يغْتَسل من أَربع: من الْجَنَابَة،وَيَوْم الْجُمُعَة (وَمن) الْحجامَة،وَمن غسل الْمَيِّت» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ: «الْغسْل من أَرْبَعَة (من) الْجَنَابَة،وَالْجُمُعَة،والحجامة،وَغسل الْمَيِّت» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «الْغسْل من خَمْسَة: من الْجَنَابَة،والحجامة،وَغسل يَوْم الْجُمُعَة،وَالْمَيِّت،وَمن مَاء الْحمام» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» (بِثَلَاثَة أَلْفَاظ) «كَانَ يغْتَسل» ، «يُغتَسل» «الغُسل» وَأعله الْأَثْرَم بعلل:
أَحدهَا: أَنه سمع أَبَا (عبد الله) - يَعْنِي: أَحْمد بن حَنْبَل - يتَكَلَّم فِي مُصعب بن شيبَة،وَذكر (أَن) لَهُ أَحَادِيث (مَنَاكِير قَالَ: وسمعته يتَكَلَّم عَلَى هَذَا الحَدِيث) بِعَيْنِه.
ثَانِيهَا: أَن عَائِشَة كَانَت ترخص فِي غسل الْجُمُعَة ؛ فَكيف تذكر أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَمر بِهِ ؟ !
ثَالِثهَا: أَنه صَحَّ عَنْهَا إِنْكَار الْغسْل من غسل الْمَيِّت،فَكيف ترويه عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وتنكر (عَلَى من) فعله .
رَابِعهَا: أَن فِيهِ الْغسْل من الْحجامَة،وَهُوَ مُنكر عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - لإِجْمَاع الْأمة عَلَى أَنه لَا يجب،زَاد ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ناسخه ومنسوخه» : وَلَا يسْتَحبّ إِجْمَاعًا . وَقَالَ فِي «علله» - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ -: هَذَا حَدِيث لَا يَصح . ثمَّ ذكر عَن أَحْمد أَنه قَالَ فِي مُصعب بن شيبَة: أَحَادِيثه مَنَاكِير . قَالَ: وَلَا يثبت فِي هَذَا حَدِيث .