وبعد، فبالعربية تبرز معانى القرآن من الحجب، وبها يظهر إعجاز القرآن ونبوة محمد وتنجلى الريب، وبها يعرف من الأحكام ما حُرم [1] وما وجب، وكل علم من العلوم الدينية، فهو على العربية مرتب، ولما كان النحو بابها الذى منه تؤتى وتطلب، وذمامها الذى به تجذب، كانت العناية به أوجب والبداية به أوصل إلى الأرَب [2] ، وكان من أحسن ما صُنَّفَ فيه وهُذَّبَ، ورُتَّبَ وقُرَّبَ، وانتُفِعَ به في المشرق والمغرب، كافيةُ الشيخ العلامة أبى عمرو عثمان بن الحاجب المدقق المُنَقَّب، وقد كنت فيما غبر من الحِقَب، ألقيت عليها مذاكرة على جماعة من الطّلَبِ [3] ، تَشتمل على فوائد حسان ونُخَب [4] ، وتزيد على شروحها في بيان ما خفى منها وإبراز ما احتجب وسميتها بـ (البرود الضافية والعقود الصافية الكافلة للكافية بالمعانى الثمانية وافية) التى اعتبرها كل عالم مهذب.
وهى مبهُم يعيَّنُ. وخطأ يُبيَّن، ومعدومُ ُ يخترعُ ُ، ومفترقُ ُ يُجمع، وناقِصُ ُ يكمَّل، ومجمل يفصّل، ومُسْهَبُ يُشَذَّب [5] ومختلط يرتب، فرأيت رَقْمَها [6] فى كتاب، وإظهارها للطلاب، رجاء المشاركة في الثواب، والظَّفَر [7] بدعاء مستجاب يلحقنى بعد أن أوارى في التراب، وينفعنى يوم الحساب، وهذا حين أبتدئ، واللهَ أسأل أن يوفق للصواب.
(1) حرُم، وحرِم من باب فهم لغة فيه ينظر: مختار الصحاح (ح ر م) (صـ138) . واللسان (ح ر م) (2/ 66)
(2) الأَرَب، والإْربَة، والمأْرَُبَة: الحاجة والجمع المآرب، ينظر: اللسان (أرب) (1/ 58) .
(3) الطَّلَب جمع طالب، قال ذو الرُّمة:
فانصاعَ جانِبُه الوَحْشىُّ، وانكَدَرَتْ ... يَلْحَبَنَ، لا يأْتَلىِ المطَلوبُ والطَّلَبُ
ينظر: اللسان (ط ل ب) (4/ 184) .
(4) يقال: جاء في نُخَب أصحابه أى في خيارهم، اللسان (ن خ ب) (6/ 156) .
(5) جذع مُشَذَّب أى: مقشر إذا قشرت ما عليه من الشوك، وكل شئ هذبته بتنحية غيره عنه فقد شَذَّبْتَه، ينظر: اللسان (ش ذ ب) (3/ 410) ، والمصباح المنير (صـ 160) ، المكتبة العصرية ط الثانية 1418 - 1997.
(6) الرَقْم: الكتابة والختم، وتعجيم الكتابة. ينظر: اللسان (ر ق م) (3/ 108) ، ومحتار الصحاح (صـ 249)
(7) الظَّفَر: الفوز بالمطلوب اللسان: (ظ ف ر) (4/ 223) .