وقوله: ما دل على معنى خرجت المهملات،
وقوله: في غيره يخرج الاسم والفعل، ومعنى قولهم: (فى غيره) فى حقيقة الحرف، وفى نفسه في حقيقة الاسم والفعل أن الاسم والفعل يدلان على معنى ثابت في نفس تلك الكلم الدالة.
وأما الحرف فإنه يدل على معنى ثابت في غير الحرف مثال ذلك: (جئت من البصرة) فإن لفظ (جئت) يدل على معنى هو المجئ، وهو مسمى (جئت) ، والبصرة) تدل على معنى هو البلد المعروف، وهو مسمى البصرة، وأمَّا (من) فتدل على معنى هو ابتداء المجئ، والمجئ غير (من) .
قالوا: والحرف لا يدل على معنى حتى ينضم إلى غيره، وإذا كان وحده لم يدل على شئ أصلًا، وهو كالعلم المنصوب بجنب شئ؛ ليدل على أن في ذلك الشئ فائدة، فإذا أفرد عن ذلك الشئ بقى غير دال على شئ، فظهر أن المعنى الإفرادى للحرف هو في غيره.
وقد أورد على حد الحرف اعتراضات [1] :
الأول: إذا كانت (من) للابتداء، و (إلى) للانتهاء، و (فى الشئ) معنى: (وسط الشئ) ونحو ذلك لزم أحد أمرين: إمَّا أن يكون الابتداء والانتهاء، والوسط حروفًا فيدخل في الحرف ما ليس منه، وإمَّا أن يكون (من) و (إلى) و (فى) ونحوها أسماء فيخرج من الحرف ما
هو منه، بل كله، فإنه لا شئ من الحروف إلا ومعناه اسم / فحروف النفى معناها النفى، ... 197/ب
وهو اسم، وحروف العطف معناه الجمع، والتعقيب، والترتيب ونحو ذلك، وحرفا الاستفهام معناهما الاستفهام.
وأجيب: بأن في قولهم: (من معناها الابتداء) تسامحًا، والحقيقة أنها تفيد ابتداء مقيدًا، وكذا: (إلى) معناها انتهاء مقيدًا، فإذا قلت: (جئت من البصرة) فمعنى (من) ابتداء مجيئ البصرة، وإذا قلت: (سرت إلى البصرة) فمعنى (إلى) انتهاء مسيرى البصرة.
وكذا: (قمت في الدار) معنى (فى) قيامى حصل وسط الدار، وأما الابتداء والانتهاء والوسط فهذه ألفاظ تفيدها من غير تقييد بغيرها.
(1) تنظر هذه الاعتراضات فى: النجم الثاقب (2/ 1066 - 1068) .