ويحقق هذا قولهم: (إن الحرف لا يفيد إذا نطق به وحده شيئًا قط) ، ولا مانع أن تضع العرب (من) لابتداء مقيد، والابتداء يفيد الابتدائية مطلقًا، وكذا سائر الحروف، وهذا هو الجواب إذا قيل: كاف التشبيه بمعنى: (مثل) ، و (مثل) اسم، وكاف التشبيه حرف، و (على) بمعنى (فوق) ، و (فوق) اسم، وكذا إذا قيل: كاف التشبيه قد تكون اسمًا، وقد تكون حرفًا؛ لدخول حرف الجر، و (على) قد تكون حرفًا، وقد تكون اسمًا ونحو ذلك، كان الجواب عنه ما تقدم.
وهو أن معنى (مثل) المشابهة مطلقًا، والكاف مشابهة مقيدة نحو قولك: ( [زيد] [1] كالأسد) يفيد مشابهة زيد للأسد.
و (على) تفيد فوقية مقيدة، و (فوق) تفيد فوقية مطلقة.
وقولنا: (مطلقة) فى كلامنا هذا نريد به: أن هذه الأسماء وضعها على أن تفيد معانيها إفادة صالحة للإطلاق والتقييد، والحروف لا تفيد معانيها إلا إذا قيدت بكلام، وإن كنا قد نقيد الأسماء حين نقول: (ابتداء مسيرى من بلد كذا، وانتهاؤه بكذا وكذا) ، و (زيد مثل الأسد) ، لكن التقييد بكلام آخر ليس شرطًا في الأسماء، وهو شرط في الحروف.
إذا ثبت هذا التزمنا في كاف التشبيه إذا خرجت إلى الاسمية أنها تصير بمعنى (مثل) ، و (على) إذا خرجت إلى الاسمية تصير بمعنى (فوق) ونحو ذلك.
هكذا ذكر بعض النحاة [2] ، وفيه نظر؛ لأنها لو خرجت إلى ذلك؛ لتصرف فيها كما يتصرف في الأسماء التى هى بمعناها، والظاهر أن ذلك لا يجوز، فيجب أن يحمل قولهم: باسميتها [على] [3] أنها اسمية لفظية؛ لدخول خواص الأسماء عليها، ومعناها مثل معناها في الحرفية، فإنه لا فرق بين قولك: (اجلس من عن يمينى) و (اجلس عن يمينى) ولا بين:
.يَضْحَكْن عَنْ كالبَرَد [4] ...
(1) (1، 3) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.
(2) ينظر: الجنى الدانى (صـ 79) ، ومغنى اللبيب (1/ 166، 167، 203) .
(4) جزء من عجز بيت من الرجز، وهو بتمامه:
يضحكن عن البَرَدِ المُنهَمَّ ...
وقبله:
بيضٌ ثلاثٌ كنعاجٍ جمَّ ... =
=وهو للعجاج في ملحق ديوانه (2/ 328) ، والمقاصد النحوية (3/ 294) ، والخزانة (10/ 166، 168) ، وبلا نسبة فى: أسرار العربية (صـ 258) ، وشرح المفصل (8/ 42، 44) ، وشرح الكافية للرضى (4/ 336) ، والتعليقة لابن النحاس (1/ 646) ، وشرح ألفية ابن معط (1/ 389) ، والفاخر (2/ 648) ، وشرح الكافية لابن جماعة (صـ 339) .
النعاج: جمع النعجة، وهى أنثى الضأن، الجمَّ: جمع الجماء مؤنث الأجم وهو من الكباش مالا قرن له، البرد: حبّ الغمام، المنهم: الذائب.
والشاهد فيه قوله: (عن كالبرد) حيث وردت الكاف اسمًا بمعنى (مثل) لدخول (عن) عليها، وزعم الشارح أن اسميتها لفظية، ومعناها مثل معناها في الحرفية.