الفرار في دفع القدر المحتوم عن فار. فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب , في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب , وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءا أم أراد بهم رحمة , ولا مولى لهم ولا نصير , من دون الله , يحميهم ويمنعهم من قدر الله.
فالاستسلام الاستسلام. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله , في السراء والضراء. ورجع الأمر إليه , والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (8) سورة الجمعة
وفي الظلال:
(قل: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم. ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة , فينبئكم بما كنتم تعملون) . .
وهي لفتة من اللفتات القرآنية الموحية للمخاطبين بها وغير المخاطبين. تقر في الأخلاد حقيقة ينساها الناس , وهي تلاحقهم أينما كانوا. . فهذه الحياة إلى انتهاء. والبعد عن الله فيها ينتهي للرجعة إليه , فلا ملجأ منه إلا إليه. والحساب والجزاء بعد الرجعة كائنان لا محالة. فلا مهرب ولا فكاك.
روى الطبري في معجمه من حديث معاذ بن محمد الهذلي عن يونس عن الحسن عن سمرة مرفوعا:"مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب , تطلبه الأرض بدين , فجاء يسعى , حتى إذا أعيا وأنهر دخل جحره , فقالت له الأرض: يا ثعلب! ديني. فخرج له حصاص. فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات". .
وهي صورة متحركة موحية عميقة الإيحاء. .
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} (145) سورة آل عمران
وفي الظلال:
إن لكل نفس كتابا مؤجلا إلى أجل مرسوم. ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل المرسوم. فالخوف والهلع , والحرص والتخلف , لا تطيل أجلا. والشجاعة والثبات والإقدام والوفاء لا تقصر عمرا. فلا كان الجبن , ولا نامت أعين الجبناء. والأجل المكتوب لا ينقص منه يوم ولا يزيد!