على هذا غيري) ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها؛ لأنه عليه السلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه؛ فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله قد كاه نحل أولاده نحلا يعادل ذلك.
فإن قيل: الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقا، قيل له: الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص، ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محمد، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) . قال النعمان: فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله: (فارجعه) محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ؛ كما قال عليه السلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع.
قرأ ابن وثاب والنخعي"أفحكم"بالرفع على معنى يبغونه؛ فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... على ذنبا كله لم أصنع
فيمن روى"كله"بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، فحذف الموصوف. وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش"أفحكم"بنصب الحاء والكاف وفتح الميم؛ وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحكم، وإنما المراد الحكم؛ فكأنه قال: أفحكم حكم الجاهلية يبغون. وقد يكون الحكم والحاكم في اللغة واحدا وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية؛ فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس، إذ لا يراد به حاكم بعينه؛ وجاز وقوع المضاف جنسا كما جاز في قولهم: منعت مصر إردبها، وشبهه. وقرأ ابن عامر"تبغون"بالتاء، الباقون بالياء.
قوله تعالى:"ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن؛ فهذا ابتداء وخبر. و"حكما"نصب على البيان. لقوله"لقوم يوقنون"أي عند قوم يوقنون.
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون [48] * جالت الآيات المتقدمة جولة في ذكر إنزال التوراة والإنجيل وآبت منها إلى المقصود وهو إنزال القرآن؛ فكان كرد العجز على الصدر لقوله * يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر* ليبين أن القرآن جاء ناسخا لما قبله، وأن مؤاخذة اليهود على ترك العمل بالتوراة والإنجيل مؤاخذة لهم بعملهم قبل مجيء الإسلام، وليعلمهم أنهم لا يطمعون من محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بغير ما شرعه الله في الإسلام، فوقع قوله * وأنزلنا إليك الكتاب بالحق* لترتيب نزول الكتب السماوية، وتمهيدا لقوله * فاحكم بينهم بما أنزل الله*.