فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ) فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ.
1061 - 37 وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ} . مَا دَعَا بِهَا مَكْرُوبٌ إلَّا فَرَّجَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ مَا مَعْنَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ؟ وَلِمَ كَانَتْ كَاشِفَةً لِلْكَرْبِ؟ وَهَلْ لَهَا شُرُوطٌ بَاطِنَةٌ عِنْدَ النُّطْقِ بِلَفْظِهَا؟ وَكَيْفَ مُطَابَقَةُ اعْتِقَادِ الْقَلْبِ لِمَعْنَاهَا. حَتَّى يُوجِبَ كَشْفَ ضُرِّهِ؟ وَمَا مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ: {إنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ} مَعَ أَنَّ التَّوْحِيدَ يُوجِبُ كَشْفَ الضُّرِّ؟ وَهَلْ يَكْفِيهِ اعْتِرَافُهُ. أَمْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ وَالْعَزْمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟ وَمَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنَّ كَشْفَ الضُّرِّ وَزَوَالَهُ يَكُونُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الرَّجَاءِ عَنْ الْخَلْقِ وَالتَّعَلُّقِ بِهِمْ؟ وَمَا الْحِيلَةُ فِي انْصِرَافِ الْقَلْبِ عَنْ الرَّجَاءِ لِلْمَخْلُوقِينَ وَالتَّعَلُّقِ بِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ , وَتَعَلُّقِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرَجَائِهِ وَانْصِرَافِهِ إلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ , وَمَا السَّبَبُ الْمُعِينُ عَلَى ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَفْظُ"الدُّعَاءِ وَالدَّعْوَةِ"فِي الْقُرْآنِ يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ: دُعَاءَ الْعِبَادَةِ , وَدُعَاءَ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ} وَقَالَ: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} وَقَالَ: {إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا إنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} وَقَالَ تَعَالَى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} . قِيلَ: لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إيَّاهُ , وَقِيلَ: لَوْلَا دُعَاؤُهُ إيَّاكُمْ. فَإِنَّ الْمَصْدَرَ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ تَارَةً , وَإِلَى الْمَفْعُولِ تَارَةً , وَلَكِنَّ إضَافَتَهُ إلَى الْفَاعِلِ أَقْوَى ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ , فَلِهَذَا كَانَ هَذَا أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ , أَيْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَدْعُونَهُ فَتَعْبُدُونَهُ وَتَسْأَلُونَهُ: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} أَيْ عَذَابٌ لَازِمٌ لِلْمُكَذِّبِينَ. وَلَفْظُ"الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ"أَصْلُهُ الدُّعَاءُ , وَسُمِّيَتْ الصَّلَاةُ دُعَاءً لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ , وَهُوَ الْعِبَادَةُ وَالْمَسْأَلَةُ. وَقَدْ فَسَّرَ قوله تعالى: {اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} . بِالْوَجْهَيْنِ , قِيلَ: اُعْبُدُونِي وَامْتَثِلُوا أَمْرِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أَيْ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ , وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ , يُقَالُ: اسْتَجَابَهُ وَاسْتَجَابَ لَهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبٌ وَقِيلَ: سَلُونِي أُعْطِكُمْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا