وعندئذ - عند الفتح - سواء كان هو فتح مكة أو كان الفتح بمعنى الفصل أو عند مجيء أمر الله - يندم أولئك الذين في قلوبهم مرض , على المسارعة والاجتهاد في ولاء اليهود والنصارى وعلى النفاق الذي انكشف أمره , وعندئذ يعجب الذين آمنوا من حال المنافقين , ويستنكرون ما كانوا فيه من النفاق وما صاروا إليه من الخسران!
(ويقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ? حبطت أعمالهم , فأصبحوا خاسرين!) . .
ولقد جاء الله بالفتح يوما , وتكشفت نوايا , وحبطت أعمال , وخسرت فئات. ونحن على وعد من الله قائم بأن يجيء الفتح , كلما استمسكنا بعروة الله وحده ; وكلما أخلصنا الولاء لله وحده. وكلما وعينا منهج الله , وأقمنا عليه تصوراتنا وأوضاعنا. وكلما تحركنا في المعركة على هدى الله وتوجيهه. فلم نتخذ لنا وليا إلا الله ورسوله والذين آمنوا. .
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (14) سورة التغابن
وفي سنن ابن ماجة عَنْ يَعْلَى الْعَامِرِىِّ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْعَيَانِ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَقَالَ «إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» .
وفي الظلال:
وقد ورد عن ابن عباس - رضي الله عنه - في الآية الأولى من هذا السياق وقد سأله عنها رجل فقال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة , فأرادوا أن يأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم. فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين , فهموا أن يعاقبوهم , فأنزل الله هذه الآية: (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) . . وهكذا رواه الترمذي بإسناد آخر وقال: حسن صحيح. وهكذا قال عكرمة مولى ابن عباس.
ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي وأبعد مدى وأطول أمدا. فهذا التحذير من الأزواج والأولاد كئالتحذير الذي في الآية التالية من الأموال والأولاد معا: أنما أموالكم وأولادكم فتنة. . والتنبيه إلى أن من الأزواج والأولاد من يكون عدوا. . إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية. ويمس وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي ملابسات الحياة سواء. فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله. كما أنهم قد يكونون دافعا للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير , وتضحية الكثير. كما يتعرض هو وأهله للعنت. وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده.