قلت: قول عطاء صحيح، وهو مقتضى التنزيل. وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل القاتل ويحبس الذي أمسكه) . رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، ورواه معمر وابن جريج عن إسماعيل مرسلا.
قوله تعالى:"فمن اعتدى"الاعتداء هو التجاوز، قال الله تعالى:"ومن يتعد حدود الله" [البقرة: 229] أي يتجاوزها، فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه، لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية، فلو قال لك مثلا: يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت الكافر. وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور. ولو قلت له يا زان، كنت كاذبا وأثمت في الكذب. وإن مطلك وهو غني دون عذر فقال: يا ظالم، يا آكل أموال الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) . أما عرضه فبما فسرناه، وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه. وقال ابن عباس: نزل هذا قبل أن يقوى الإسلام، فأمر من أوذي من المسلمين أن يجازي بمثل ما أوذي به، أو يصبر أو يعفو، ثم نسخ ذلك بقوله:"وقاتلوا المشركين كافة" [التوبة: 36] . وقيل: نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان. ولا يحل لأحد أن يقتص من أحد إلا بإذن السلطان.
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم , ولا تعتدوا , إن الله لا يحب المعتدين) . .
وفي أول آية من آيات القتال نجد التحديد الحاسم لهدف القتال , والراية التي تخاض تحتها المعركة في وضوح وجلاء:
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) . .
إنه القتال لله , لا لأي هدف آخر من الأهداف التي عرفتها البشرية في حروبها الطويلة. القتال في سبيل الله. لا في سبيل الأمجاد والاستعلاء في الأرض , ولا في سبيل المغانم والمكاسب ; ولا في سبيل الأسواق والخامات ; ولا في سبيل تسويد طبقة على طبقة أو جنس على جنس. . إنما هو القتال لتلك الأهداف المحددة التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام , القتال لإعلاء كلمة الله في الأرض , وإقرار منهجه في الحياة , وحماية المؤمنين به أن يفتنوا عن دينهم , أو أن يجرفهم الضلال والفساد , وما عدا هذه فهي حرب غير مشروعة في حكم الإسلام , وليس لمن يخوضها أجر عند الله ولا مقام.
ومع تحديد الهدف , تحديد المدى:
(ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) . .
والعدوان يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلى غير المحاربين من الآمنين المسالمين الذين لا يشكلون خطرا على الدعوة الإسلامية ولا على الجماعة المسلمة , كالنساء والأطفال والشيوخ والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ودين. . كما يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الإسلام , ووضع بها حدا