وتنتهي هذه الجولة مع أهل الكتاب ; فتكشف انحرافاتهم عن دين الله الصحيح الذي جاءتهم به رسلهم من قبل. وتقرر حقيقة الاعتقاد الذي يرضاه الله من المؤمنين. وتبطل حجتهم في موقفهم من النبي الأمي ; وتأخذ عليهم الطريق في الاعتذار يوم الدين. .
وبهذا كله تدعوهم إلى الهدى من ناحية ; وتضعف تأثير كيدهم في الصف المسلم من ناحية أخرى. وتنير الطريق للجماعة المسلمة ولطلاب الهدى جميعا. . إلى الصراط المستقيم. .
قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (68) سورة المائدة
وفي تفسير ابن كثير:
يقول تعالى: قل يا محمد «يا أهل الكتاب لستم على شيء أي من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل, أي حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء, وتعملوا بما فيها, ومما فيها الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بمبعثه, والاقتداء بشريعته, ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: في قوله {وما أنزل إليكم من ربكم} : يعني القرآن العظيم, وقوله {وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا} تقدم تفسيره, {فلا تأس على القوم الكافرين} أي فلا تحزن عليهم, ولا يهيدنّك ذلك منهم
وفي الظلال:
إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم! إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة ; وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء ; وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل ; فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء ; ولا تراعي مواقع الرغبات ; إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ. .
وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى. . وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان ; وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة!
(إن الله لا يهدي القوم الكافرين) . .
وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة. . والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها , لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق!
إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة , لا يعني الخشونة والفظاظة ; فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق.