35 -ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - فِي قَوْلٍ - وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى أَنَّ اسْتِتَابَةَ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْهَالُ , إنْ طَلَبَ الْمُرْتَدُّ ذَلِكَ , فَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعِنْدَ مَالِكٍ تَجِبُ الِاسْتِتَابَةُ وَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ يَجِبُ الِاسْتِتَابَةُ وَتَكُونُ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْهَلُ. وَثَبَتَتْ الِاسْتِتَابَةُ بِمَا وَرَدَ {أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ} . وَلِأَثَرٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ اسْتَتَابَ الْمُرْتَدَّ ثَلَاثًا.
كَيْفِيَّةُ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ:
36 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَوِيَةُ الْمُرْتَدِّ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ سِوَى الْإِسْلَامِ , أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَلَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ أَوْ بِدُونِ التَّبَرِّي لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَ إذْ لَا يَرْتَفِعُ بِهِمَا كُفْرُهُ. قَالُوا: إنْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ , بَلْ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ , فَيَمْتَنِعُ الْقَتْلُ فَقَطْ وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَإِذَا نَطَقَ الْمُرْتَدُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ: صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَالشَّافِعِيَّةِ , وَالْحَنَابِلَةِ , لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَمَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَيْثُ إنَّ الشَّهَادَةَ يَثْبُتُ بِهَا إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ. فَإِذَا ادَّعَى الْمُرْتَدُّ الْإِسْلَامَ , وَرَفَضَ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ , لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إنْ مَاتَ , فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ: حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَحْصُلُ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ بِصَلَاتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَا بُدَّ فِي إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ كُفْرُهُ لِإِنْكَارِ شَيْءٍ آخَرَ , كَمَنْ خَصَّصَ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ بِالْعَرَبِ أَوْ جَحَدَ فَرْضًا أَوْ تَحْرِيمًا فَيَلْزَمُهُ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ الْإِقْرَارُ بِمَا أَنْكَرَ. قَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ صَلَّى الْمُرْتَدُّ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ , أَوْ كِتَابٍ , أَوْ نَبِيٍّ , أَوْ مَلَكٍ , أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُكَفِّرَةِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إلَى الْإِسْلَامِ , فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ صَلَاتِهِ ; لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ. وَأَمَّا لَوْ زَكَّى أَوْ صَامَ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ , لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَتَصَدَّقُونَ , وَالصَّوْمُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ , وَتَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ , وَتَوْبَةُ السَّاحِرِ عَلَى أَقْوَالٍ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْبَةٌ) .
37 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ , مَعَ ضَرُورَةِ تَادِيبِ السَّابِّ وَعَدَمِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلَاثًا. وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ خِلَافٌ , الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ قَبُولُ تَوْبَتِهِ , وَهُوَ رَايُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. أَمَّا سَابُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ إلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَلُ تَوْبَةُ قَاذِفِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْأَصَحِّ , وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ , وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يُجْلَدُ ثَمَانِينَ