وَمَعْنَى سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ: طَلَبَهَا لِيَضَعَهَا فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ. وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ: نَكْرَهُ أَنْ نُفَارِقَهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يُرِيدُ غَزْوَ جِهَةٍ فَلَا يُظْهِرُهَا وَيُظْهِرُ غَيْرَهَا , كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَغْزُوَ جِهَةَ الشَّرْقِ , فَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ فِي جِهَةِ الْغَرْبِ , فَيَتَجَهَّزُ لِلسَّفَرِ فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ , وَيَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةَ الْغَرْبِ. وَهَذَا فِي الْغَالِبِ فَقَدْ صَرَّحَ بِجِهَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِلتَّأَهُّبِ لَهَا.
ففي الموسوعة الفقهية:
الْإِحْرَاقُ فِي الْحَرْبِ:
31 -إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ بِالتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْلَمُ , لِمَا رَوَى {حَمْزَةُ الْأَسْلَمِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ , فَقَالَ: فَخَرَجَتْ فِيهَا , فَقَالَ: إنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ فَوَلَّيْت , فَنَادَانِي , فَرَجَعْت , فَقَالَ: إنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُحَرِّقُوهُ , فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ} . فَأَمَّا رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَجَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ , لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي غَزَوَاتِهِمْ. هَذَا وَإِنْ تَتَرَّسَ الْعَدُوُّ فِي الْحَرْبِ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ اُضْطُرِرْنَا إلَى رَمْيِهِمْ بِالنَّارِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَمَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى تَقْدِيرِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. وَالْحُكْمُ فِي الْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْكُفَّارِ فِي حَالِ الْقِتَالِ.
إخَالَةٌ التَّعْرِيفُ:
1 -الْإِخَالَةُ مَصْدَرُ أَخَالَ الْأَمْرُ أَيْ اشْتَبَهَ. وَيُقَالُ: هَذَا الْأَمْرُ لَا يُخِيلُ عَلَى أَحَدٍ , أَيْ لَا يَشْكُلُ. وَيَسْتَعْمِلُ الْأُصُولِيُّونَ لَفْظَ الْإِخَالَةِ فِي بَابِ الْقِيَاسِ وَبَابِ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ. وَالْإِخَالَةُ كَوْنُ الْوَصْفِ بِحَيْثُ تَتَعَيَّنُ عِلِّيَّتُهُ لِلْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ , لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مُخَيِّلٌ لِأَنَّهُ يُوقِعُ فِي النَّفْسِ خَيَالَ الْعِلَّةِ. (الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ , وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ) : 2 - يَكُونُ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا فِيمَا لَوْ عَرَضَ عَلَى الْعُقُولِ فَتَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ , وَهُوَ الْوَصْفُ الَّذِي يُفْضِي إلَى مَا يَجْلُبُ لِلْإِنْسَانِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا , كَقَتْلِ مُسْلِمٍ تَتَرَّسَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي حَرْبِهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّ فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةَ قَهْرِ الْعَدُوِّ , وَمَنْعَ قَتْلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ لَيْسَ مُخَيِّلًا , كَلَوْنِ الْخَمْرِ وَقِوَامِهَا , فَلَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ عِلِّيَّتُهُ لِلتَّحْرِيمِ , لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ ضَرَرًا يَسْتَدْعِي تَحْرِيمَهَا. وَأَمَّا الْإِسْكَارُ فِي الْخَمْرِ , فَإِنَّهُ مَعَ تَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةَ تَغْطِيَةِ الْعَقْلِ , لَيْسَ وَصْفًا مُخَيِّلًا كَذَلِكَ , لِوُرُودِ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بِهِ. وَالنَّصُّ هُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} . وَلَوْ افْتَرَضَ عَدَمَ وُرُودِ هَذَا النَّصِّ وَأَمْثَالِهِ لَكَانَ وَصْفُ الْإِسْكَارِ مُخَيِّلًا. وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَعَمُّ مِنْ الْمُخَيِّلِ. وَفِي جَوَازِ تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ الْمُخَيِّلِ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ , خِلَافٌ.