فهرس الكتاب

الصفحة 737 من 1045

ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْبَقَاءِ وَالنَّجَاةُ فِي الِانْصِرَافِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الِانْصِرَافُ , لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ لِأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ , وَحَتَّى لَا يَنْكَسِرَ الْمُسْلِمُونَ , وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا الْكُفَّارَ , فَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ , وَهَذَا مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ , وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا , مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ , وَمَا لَمْ يَكُنْ بِقَصْدِ التَّحَيُّزِ لِقِتَالٍ.

الْخَدِيعَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:

12 -أَمَّا الْخَدِيعَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ , فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ , فَلَا يَجُوزُ الْخُدَعُ , وَلَا التَّبْيِيتُ بِالْهُجُومِ الْغَادِرِ , وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ إلَى عَهْدٍ لَمْ يُنْقَضْ , وَلَمْ يُنْبَذْ , حَتَّى لَوْ كُنَّا نَخْشَى الْخِيَانَةَ مِنْ جَانِبِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وَقَالَ: {فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ} وَقَالَ: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} وَأَمَّا إذَا اسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ عَزْمَهُمْ عَلَى الْخِيَانَةِ بِأَمَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا لَا بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمٍ , لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ , وَلَا يَجُوزُ خَدْعُهُمْ وَلَا تَبْيِيتُهُمْ بِهُجُومٍ غَادِرٍ , وَهُمْ آمِنُونَ مُطْمَئِنُّونَ إلَى عَهْدٍ لَمْ يُنْقَضْ , وَلَمْ يُنْبَذْ. بَلْ يُنْبَذُ إلَيْهِمْ الْعَهْدُ ثُمَّ يُقَاتِلُهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً , فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: إمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً: أَيْ غِشًّا , وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنْ الْقَوْمِ الْمُعَاهَدِينَ فَاطْرَحْ إلَيْهِمْ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُمْ , عَلَى سَوَاءٍ أَيْ أَخْبِرْهُمْ إخْبَارًا ظَاهِرًا مَكْشُوفًا بِالنَّقْضِ , وَلَا تُنَاجِزُهُمْ الْحَرْبَ بَغْتَةً. 13 - فَأَمَّا بَعْدُ أَنْ نَبَذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ , وَصَارَ عِلْمُهُمْ وَعِلْمُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْضِهِ عَلَى سَوَاءٍ , وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَ كُلُّ خَصْمٍ حِذْرَهُ , فَإِنَّ كُلَّ وَسَائِلِ الْخُدْعَةِ مُبَاحَةٌ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ غَادِرَةً , فَمَنْ جَازَتْ عَلَيْهِ الْخُدْعَةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ , فَهُوَ غَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْدُورٍ بِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {الْحَرْبُ خُدْعَةٌ} وَجَاءَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي الْحَدِيثِ: الْأَمْرُ بِاسْتِعْمَالِ الْحِيلَةِ فِي الْحَرْبِ مَهْمَا أَمْكَنَ , وَالنَّدْبُ إلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ , قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كُلَّمَا أَمْكَنَ , إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ , أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ. (ر: أَمَانٌ , عَهْدٌ , هُدْنَةٌ) . وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إلَى اسْتِعْمَالِ الرَّايِ فِي الْحَرْبِ بَلْ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ الشَّجَاعَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعَ {الْحَرْبُ خُدْعَةٌ} الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ , لَا الْمُوَاجَهَةُ , وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَحُصُولِ الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إذَا دَعَتْ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحَةٌ إلَى خِدَاعِ الْمُخَاطَبِ , أَوْ حَاجَةٌ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهَا إلَّا بِالْكَذِبِ , فَلَا بَاسَ بِالتَّوْرِيَةِ , وَالتَّعْرِيضِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ , وَلَيْسَ بِحَرَامٍ إلَّا أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى أَخْذِ بَاطِلٍ , أَوْ دَفْعِ حَقٍّ فَيَصِيرُ عِنْدَئِذٍ حَرَامًا. وَفِي التَّوْرِيَةِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ , فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ بَعْدَ أَنْ اسْتَاذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقُولَ: كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: {إنَّ هَذَا أَيْ: النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَنَّانَا , وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ , فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ} وَكُلُّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَوْرِيَةٌ: وَقَصَدَ بِهَا إلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرِ مِنْهَا. وَمَعْنَى عَنَّانَا: كَلَّفَنَا بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت