"فأعرض عنهم"قيل: عن عقابهم. وقيل: عن قبول اعتذارهم"وعظهم"أي خوفهم. قيل في الملأ."وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا"أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء. الحسن: قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم. وقد بلغ القول بلاغة؛ ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه. والعرب تقول: أحمق بلغ وبلغ، أي نهاية في الحماقة. وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق. ويقال: إن قوله تعالى:"فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم"نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار؛ فلما أظهر الله نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب.
(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا. .)
ألم تر إلى هذا العجب العاجب. . قوم. . يزعمون. . الإيمان. ثم يهدمون هذا الزعم في آن ?! قوم (يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) . ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ? إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر , وإلى منهج آخر , وإلى حكم آخر. . يريدون أن يتحاكموا إلى. . الطاغوت. . الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ولا ضابط له ولا ميزان , مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. . ومن ثم فهو. . طاغوت. . طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية. وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضا! وهم لا يفعلون هذا عن جهل , ولا عن ظن. . إنما هم يعلمون يقينا ويعرفون تماما , أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: (وقد أمروا أن يكفروا به) . . فليس في الأمر جهالة ولا ظن. بل هو العمد والقصد. ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم. زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب. .
ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا. .
فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت. وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت! هذا هو الدافع يكشفه لهم. لعلهم يتنبهون فيرجعوا. ويكشفه للجماعة المسلمة , لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك.
ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله. . ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به:
(وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) .
يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري. . وإلا ما كان نفاقا. . .