فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 1045

إلى شيء آخر تماما غير ما هم عليه. . يدعوهم إلى نقلة بعيدة , ورحلة طويلة , وتغيير أساسي في تصوراتهم وفي أوضاعهم وفي نظامهم وفي أخلاقهم. . فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه. . (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) . .

وحين يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل وبين ما يدعوهم إليه من الحق , وعن الفاصل الحاسم بين حقه وباطلهم. . حين يفعل صاحب الدعوة هذا - مراعاة للظروف والملابسات , وحذرا من مواجهة واقع الناس الذي يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم - فإنه يكون قد خدعهم وآذاهم , لأنه لم يعرفهم حقيقة المطلوب منهم كله , وذلك فوق أنه يكون لم يبلغ ما كلفه الله تبليغه!

إن التلطف في دعوة الناس إلى الله , ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية , لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها. . إن الحقيقة يجب إن تبلغ إليهم كاملة. أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة , ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة. .

ولقد ينظر بعضنا اليوم - مثلا - فيرى أن أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية وأصحاب القوة المادية. وينظر فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون بمئات الملايين في الأرض , وهم أصحاب كلمة مسموعة , في الشئون الدولية. وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية أصحاب أعداد ضخمة وأصحاب قوة مدمرة. وينظر فيرى الذين يقولون: إنهم مسلمون ليسوا على شيء لأنهم لا يقيمون كتاب الله المنزل إليهم. . فيتعاظمه الامر , ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة , ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شيء! وأن يبين لهم"الدين"الحق!

وليس هذا هو الطريق. . إن الجاهلية هي الجاهلية - ولو عمت أهل الأرض جميعا - وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين الله الحق , وواجب صاحب الدعوة هو واجبة لا تغيره كثرة الضلال ; ولا ضخامة الباطل. . فالباطل ركام. . وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة: أنهم ليسوا على شيء. . كذلك ينبغي أن تستأنف. . وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وناداه:

(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين. قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) .

قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (29) سورة التوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت