فهرس الكتاب

الصفحة 855 من 1045

وعلى أية حال فالمقصود بقوله: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر. . .) هو بيان سنة الله المقررة في وراثة الأرض: (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) . .

فما هي هذه الوراثة ? ومن هم عباد الله الصالحون ?

لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها , وتنميتها وتحويرها , واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها , واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة , والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله.

ولقد وضع الله للبشر منهجا كاملا متكاملا للعمل على وفقه في هذه الأرض. منهجا يقوم على الإيمان والعمل الصالح. وفي الرسالة الأخيرة للبشر فصل هذا المنهج , وشرع له القوانين التي تقيمه وتحرسه ; وتكفل التناسق والتوازن بين خطواته.

في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هو وحده المقصود. ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير الإنسان , ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة. فلا ينتكس حيوانا في وسط الحضارة المادية الزاهرة ; ولا يهبط إلى الدرك بإنسانيته وهو يرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة.

وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق تشيل كفة وترجح كفة. وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة. وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة. وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا. . ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق. والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين , الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح. فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم.

وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ. ولكن حين يفترق هذان العنصران فالميزان يتأرجح. وقد تقع الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان , وحين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح , وإلى عمارة الأرض , والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إلى هذا الإنسان.

وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم , وهو العمل الصالح , والنهوض بتبعات الخلافة ليتحقق وعد الله , وتجري سنته: (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) . .

فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون. .

ففي البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ وَدِدْتُ أَنِّى لأُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا» . فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُهُنَّ ثَلاَثًا أَشْهَدُ بِاللَّهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت