به, ولهذا قال تعالى: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي لا شك في وقوعه وكونه, {ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} .
وفي الظلال:
وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس. .
الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون. . لماذا ? لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم. ولكنها لأنها تعلم!
(حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) . .
والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين , وما زالت تفيض , وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال. وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه , ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم ; وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه , والذي أنقدهم الله منه بالإيمان , وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود!
وهنا - في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة , وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد , والشر بالشر , ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره , وقتما يريد:
(فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره. إن الله على كل شيء قدير) . .
وامضوا في طريقكم التي اختارها الله لكم , واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم:
(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة , وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله. إن الله بما تعملون بصير) . .
وهكذا. . يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر , ومكمن الدسيسة ; ويعبئ مشاعر المسليمن تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم. . ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله ; ينتظرون أمره , ويعلقون تصرفهم بإذنه. . وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة , لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة. ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة. .
قال تعالى: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (105) سورة البقرة
وفي تفسير ابن كثير:
وقوله تعالى (مايود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) بين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم