الَّتِي أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَإِنَّمَا يَرُدُّ أُصُولَ الدِّينِ وَمَا قَدْ ثَبَتَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ. فَإِنْ قِيلَ: حَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْيَهُودِ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ حَبَسُوا السَّمَكَ يَوْمَ السَّبْتِ وَأَخَذُوهُ يَوْمَ الْأَحَدِ فَعَاقَبَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ , وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حَبْسُهَا فِي السَّبْتِ قَدْ كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَبْسُهُمْ لَهَا فِي السَّبْتِ مُحَرَّمًا لَمَا قَالَ: {اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} .
21 -بَابٌ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ
113 -ذَكَرَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ ذِي حَدَّانِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا رضي الله عنه يَقُولُ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ أَوْ خَدْعَةٌ} بِالنَّصْبِ. وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَاسَ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يُخَادِعَ قِرْنَهُ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ. وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالظَّاهِرِ فَقَالُوا: يُرَخَّصُ فِي الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ , وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ , وَفِي الْقِتَالِ , وَفِي إرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ} . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْكَذِبَ الْمَحْضَ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ صلوات الله وسلامه عليه كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمَعَارِيضِ , إذْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَذِبِ الْمَحْضِ. وَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي"الْكِتَابِ": وَهُوَ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ يُبَارِزُهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ. وَلَكِنَّهُ يُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُهُ لَهُ. كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ بَارَزَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ , قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْت لِي أَنْ لَا تَسْتَعِينَ عَلَيَّ بِغَيْرِك؟ فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَعَوْتهمْ؟. فَالْتَفَتَ كَالْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ , فَضَرَبَ عَلَى سَاقَيْهِ ضَرْبَةً قَطَعَ رِجْلَيْهِ. وَكَانَ مِنْ الْخُدْعَةِ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ قَوْلًا لِيَرَى مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ فِيهِ ظَفَرًا أَوْ أَنَّ فِيهِ أَمْرًا يُقَوِّي أَصْحَابَهُ , وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً , وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ ظَاهِرًا. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه فِي حُرُوبِهِ كَانَ يَنْظُرُ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَاسَهُ إلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت. يُرِي مَنْ حَضَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُ بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ , وَأَمَرَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا بَاسَ بِهِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {إنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعَجَائِزُ. فَلَمَّا سَمِعَتْ الْعَجُوزُ ذَلِكَ جَعَلَتْ تَبْكِي , حَتَّى بَيَّنَ لَهَا صِفَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَ يَدْخُلُونَهَا} . وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُقَيِّدَ كَلَامَهُ بِلَعَلَّ وَعَسَى , فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (39 ا) يَخْرُجُ الْكَلَامُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً عَلَى مَا قَالَ: {بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْخَنْدَقِ} . وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَذْكُورٌ فِي الْمَغَازِي نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ]. {فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ غَدَرَتْ وَبَايَعَتْ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُمْ بِهَذَا. فَرَجَعَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ أَمَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِهَذَا. فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْته يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبَ} . وَتَمَامُ هَذِهِ الْقِصَّةِ ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا فِي