دَارَ حَرْبٍ ; لِأَنَّ الْبُقْعَةَ إنَّمَا تُنْسَبُ إلَيْنَا , أَوْ إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ. فَكُلُّ مَوْضِعٍ ظَهَرَ فِيهِ أَحْكَامُ الشِّرْكِ فَهُوَ دَارُ حَرْبٍ , وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ , فَهُوَ دَارُ إسْلَامٍ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه إنَّمَا تَصِيرُ دَارُ الْمُرْتَدِّينَ دَارَ حَرْبٍ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ: أَوَّلًا: أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً أَرْضَ الشِّرْكِ , لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ دَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ. ثَانِيًا: أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ آمِنٌ بِإِيمَانِهِ , وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنٌ بِأَمَانِهِ. ثَالِثًا: أَنْ يُظْهِرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا. (فَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ تَمَامَ الْقَهْرِ وَالْقُوَّةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ كَانَتْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ , مُحْرَزَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْإِحْرَازُ , إلَّا بِتَمَامِ الْقَهْرِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَذَلِكَ بِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ الثَّلَاثِ) .
31 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ مُسْلِمٌ فَقَدْ أُهْدِرَ دَمُهُ , لَكِنْ قَتْلُهُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ , وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عُزِّرَ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ افْتَاتَ عَلَى حَقِّ الْإِمَامِ ; لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ لَهُ. وَأَمَّا إذَا قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ , فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ) إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ الذِّمِّيِّ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ إلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ الذِّمِّيِّ.
الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُرْتَدِّ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
32 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْمُرْتَدِّ هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لَهُ. أَمَّا إذَا وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ ارْتَدَّ فَسَرَتْ وَمَاتَ مِنْهَا , أَوْ وَقَعَتْ عَلَى مُرْتَدٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَسَرَتْ وَمَاتَ مِنْهَا فَفِيهَا أَقْوَالٌ تُنْظَرُ فِي بَابِ"الْقِصَاصِ"مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
قَذْفُ الْمُرْتَدِّ:
33 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِ الْمُرْتَدِّ , لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مُسْلِمًا. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَذْفٌ)
ثُبُوتُ الرِّدَّةِ:
34 -تَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ. وَتَثْبُتُ الرِّدَّةُ عَنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ , بِشَرْطَيْنِ: أ - شَرْطِ الْعَدَدِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِشَاهِدَيْنِ فِي ثُبُوتِ الرِّدَّةِ , وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا الْحَسَنُ , فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ شَهَادَةَ أَرْبَعَةٍ. ب - تَفْصِيلِ الشَّهَادَةِ: يَجِبُ التَّفْصِيلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرِّدَّةِ بِأَنْ يُبَيِّنَ الشُّهُودُ وَجْهَ كُفْرِهِ , نَظَرًا لِلْخِلَافِ فِي مُوجِبَاتِهَا , وَحِفَاظًا عَلَى الْأَرْوَاحِ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (إثْبَاتٌ , وَشَهَادَةٌ) . وَإِذَا ثَبَتَتْ الرِّدَّةُ بِالْإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُرْتَدُّ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَ إنْكَارُهُ تَوْبَةً وَرُجُوعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَمْتَنِعُ الْقَتْلُ فِي حَقِّهِ. وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ وَلَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ , بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَاتِيَ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا.
اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ حُكْمُهَا: